بقلم: نور الدين صلاح الدين
تبدو موافقة مليشيا الدعم السريع على الهدنة التي اقترحتها «الرباعية الدولية» (أمريكا، السعودية، مصر، والإمارات) حدثاً لافتاً في توقيته أكثر من مضمونه، فالهدنة في ذاتها ليست أمراً مرفوضاً، إذ لا أحد يعارض وقف القتل ومعاناة المدنيين، لكن التجربة مع المليشيا تقول أن الهدنة ليست دائماً موقفاً إنسانياً.. بل قد تكون خطوة تكتيكية لتجميل وجهٍ ملطّخ بالدماء.
من المهم التذكير بأن هذه ليست المرة الأولى التي تُعلن فيها المليشيا قبولها بوقف إطلاق النار، ففي منبر جدة عام 2023، تم توقيع إعلان جدة الإنساني في 11 مايو، ثم اتفاق الهدنة القصيرة والترتيبات الإنسانية في 20 مايو الذي بدأ سريانه في 22 مايو لمدة سبعة أيام، وتم تمديده خمسة أيام أخرى. لكن الاتفاق انهار سريعاً بسبب الانتهاكات المتكررة التي حمّلت الوساطات جانباً مقدراً منها للمليشيا، وأنها أي لمليشيا استغلت تلك الهدنة لإعادة التموضع في المناطق المدنية، وارتكبت خلالها خروقات واسعة.
تكرر المشهد حين دعا الأمين العام للأمم المتحدة في أبريل 2023 إلى هدنة لمدة ثلاثة أيام، ثم في مارس 2024 إلى وقف شامل خلال شهر رمضان، وأخيراً في يونيو 2025 إلى هدنة إنسانية في مدينة الفاشر لمدة أسبوع. في كل مرة، تجاوبت القوات المسلحة مبدئياً أو أبدت استعداداً، بينما تجاهلت المليشيا الدعوات أو استخدمتها لمناورات إعلامية دون التزام فعلي.
واليوم، بعد سقوط الفاشر وسقوط ورقة التوت التي أصلاً لم تكن تغطي عورات المليشيا أمام الرأي العام الدولي، تأتي موافقتها اليوم على مشروع الهدنة كمن يحاول الانحناء للعاصفة بعد أن فقدت ما فقدت سياسياً وأخلاقياً.. وهنا يطرح السؤال المشروع:
“لماذا لم تقبل المليشيا بمقترحات الهدنة قبل سقوط الفاشر، حين كان يمكن إنقاذ المدنيين بدل التنكيل بهم والتمثيل بجثثهم؟”
الجواب واضح، لأنها لم تكن تريد هدنة، بل كانت تريد نصراً عسكرياً تستثمره سياسياً.. وعندما تحوّل النصر إلى مجازر موثقة وإدانات أممية ودولية، قررت ارتداء ثوب “الهدنة الإنسانية”.
من المهم كذلك أن نقول أن فشل الهدن السابقة لم يكن بسبب النصوص وحدها، بل بسبب غياب أدوات التنفيذ والرقابة. فحتى الهدنة الجيدة تحتاج إلى آلية مراقبة محايدة، وضمانات واضحة، وضغط دولي فعّال لا يكتفي بالبيانات. كما يجب أن تكون أي هدنة مقترنة بإجراءات محددة، مثل:
1. انسحاب المليشيا من الأعيان المدنية ومقرات المؤسسات الحكومية وأهمها المشافي والمراكز الصحية.
2. تحديد ممرات إنسانية خاضعة لرقابة الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي مع تقارير علنية دورية.
3. حظر استخدام الهدنة لإعادة التسلح أو التحرك العسكري، ووضع الضمانات اللازمة لمنع ذلك.
بهذه الشروط فقط يمكن أن تكون الهدنة وسيلة لبداية إنهاء معاناة المدنيين لا لتجميدها.. أما أن تُمنح المليشيا هدنة بلا ضوابط، فهي ليست هدنة، بل مهلة لإطالة عمر الجريمة وإعادة إنتاجها لاحقاً.
الهدنة ليست أمراً سيئاً.. السيء هو أن تخدعنا المليشيا بها مرةً أخرى.
