تقرير هام للبي بي سي : الأطباء تحت الحصار …صمود في مستشفى “سعودي” بمدينة الفاشر

في تقرير خاص لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC) بقلم الصحفية غلاديس كيغو، يتجلى حجم المعاناة التي تعيشها مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، والتي ترزح تحت حصار خانق منذ تسعة أشهر. التقرير يسلط الضوء على البطولات اليومية التي يقوم بها الطاقم الطبي في مستشفى سعودي، الذي أصبح الملاذ الوحيد للمرضى والجرحى في المدينة وسط قصف مستمر من قوات الدعم السريع.

المشهد تحت الحصار

مدينة الفاشر، التي كانت ذات يوم مركزًا حيويًا في دارفور، أصبحت الآن رمزًا للدمار والمعاناة. على مدار الأشهر التسعة الماضية، لم تهدأ الهجمات اليومية على المدينة، مما أسفر عن دمار كبير في البنية التحتية ونزوح عشرات الآلاف من السكان. المستشفى السعودي، المدعوم من وزارة الصحة السودانية والأمم المتحدة ومنظمة أطباء بلا حدود (MSF)، هو آخر مستشفى يعمل في المدينة، ويقدم خدماته لسكان يعيشون تحت القصف والحصار.

الدكتور مصطفى علي عبد الرحمن إبو، الذي عاش في الفاشر منذ عام 2011، تحدث لبي بي سي عن الكفاح اليومي للفريق الطبي قائلاً: “القصف أصبح جزءًا من حياتنا اليومية. في أحد الأيام، كنا نجري عملية قيصرية عندما بدأت الهجمات. القذائف أصابت سور المستشفى وأوقفت المولد الكهربائي، مما أجبرنا على العمل في الظلام باستخدام هواتفنا المحمولة”.

بطولة في غرفة العمليات

في اليوم المذكور، كان الفريق الطبي بقيادة الدكتور خطاب محمد، البالغ من العمر 29 عامًا، يعمل على إنقاذ حياة أم وطفلها في عملية قيصرية طارئة. يقول الدكتور خطاب: “كنا نعمل وسط بيئة ملوثة بالغبار والشظايا، مع سقوط المبنى جزئيًا حولنا. رغم كل ذلك، أكملنا العملية واستطعنا إنقاذ حياة الأم وطفلها”.

بعد نجاح العملية، نقل الفريق الأم وطفلها إلى غرفة أخرى. اجتمع الأطباء لالتقاط صورة جماعية داخل المستشفى المدمر، في لحظة وُصفت بأنها شهادة على صمودهم. قال الدكتور خطاب: “التقطنا الصورة لأننا اعتقدنا أن قذيفة أخرى قد تضرب المكان ونفقد حياتنا جميعًا”.

الكارثة الإنسانية في الفاشر

على مدار الشهر الماضي فقط، سجل المستشفى وفاة 28 شخصًا وأكثر من 50 إصابة بين المرضى والعاملين نتيجة القصف. إلى جانب ذلك، تعاني المدينة من أزمة إنسانية حادة. نصف سكان الفاشر فروا إلى مخيم زمزم المجاور، الذي يضم الآن نحو 500,000 شخص يعيشون في ظروف مأساوية وسط انتشار المجاعة ونقص الإمدادات.

الدكتور مدثر إبراهيم سليمان، المدير الطبي للمستشفى السعودي، وصف الوضع قائلاً: “نحن نعمل في ظروف لا يمكن وصفها. هذه الهجمات تمثل انتهاكًا لجميع القوانين الإنسانية الدولية، لكننا مستمرون لأن المرضى يعتمدون علينا”.

وأشار الدكتور مدثر إلى أن القصف المتكرر أصاب العاملين بالرعب، وقال: “رأينا نساء حوامل وأطفالًا تحت الأنقاض. بعضهم أصيب بجروح خطيرة والبعض الآخر كان في حالة شلل من الصدمة”.

السياق العام للصراع

بدأ الصراع الحالي في السودان في أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. ووفقًا للتقرير، فإن الفاشر، الواقعة شمال دارفور، تُعد المنطقة الوحيدة التي لا تزال تحت سيطرة الجيش، بينما تتهم قوات الدعم السريع بارتكاب عمليات تطهير عرقي ضد المجتمعات غير العربية.

أدى النزاع إلى نزوح أكثر من 12 مليون شخص، مما جعل الأزمة الإنسانية في السودان واحدة من أكبر الكوارث العالمية حاليًا.

دور قوات الدعم السريع

التقرير كشف عن تفاصيل الحصار الذي تفرضه قوات الدعم السريع، المتهمة بارتكاب عمليات تطهير عرقي ضد المجتمعات غير العربية في دارفور. المدينة، التي تُعد آخر معقل تحت سيطرة الجيش السوداني، أصبحت هدفًا يوميًا لهجمات القوات التي أغلقت جميع طرق الإمداد ودمرت المستشفيات الأخرى في المنطقة.

وفقًا للأمم المتحدة، قُتل أكثر من 780 مدنيًا وأصيب 1,140 آخرون في الفاشر منذ بدء الحصار. كما أكدت التقارير أن قوات الدعم السريع هاجمت سيارات الإسعاف التابعة لمنظمة أطباء بلا حدود، مما زاد من تعقيد الوضع الإنساني.

صمود رغم الدمار

ورغم هذه الظروف، يواصل الفريق الطبي المكون من 35 طبيبًا و60 ممرضة العمل بإصرار. قال الدكتور خطاب: “نحن أبناء الفاشر وخريجو جامعتها، ولن نتخلى عن مدينتنا مهما كانت الظروف”.

وأضاف الدكتور إبو: “نفقد زملاء ومرضى يوميًا، لكننا نستمر. نحن على استعداد للعمل تحت الأنقاض أو حتى تحت الأشجار إذا اضطررنا”.

دعوات للسلام

التقرير أشار إلى دعوات عاجلة من منظمة الصحة العالمية (WHO) لوقف الهجمات على المستشفيات واحترام القوانين الإنسانية الدولية. وقالت لوزا مسفن تسفاي، المتحدثة باسم WHO في السودان: “قدسية المرافق الصحية يجب أن تُحترم حتى في زمن الحرب”.

خاتمة

رغم كل شيء، يبقى العاملون في مستشفى سعودي رمزًا للأمل والصمود في وجه واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم. قال الدكتور إبو في ختام حديثه: “نصلي من أجل السلام ونعمل على إنقاذ الأرواح كل يوم، مهما كانت الظروف”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *