حسين بَقَيرة – المملكة المتحدة
في اللحظات التاريخية، وعند اشتداد الأزمات ووقوع الكوارث، خصوصًا حين تتعرض الشعوب للإبادة الجماعية والتطهير العرقي الممنهج كما يحدث اليوم في السودان عامة و معسكر زمزم خاصة، يظهر المعدن الحقيقي للقائد. فالقائد الحقيقي هو من يتحمل المسؤولية، ويتخذ القرارات المصيرية وفقًا لمعطيات المرحلة، مستنيرًا بما ينقذ البلاد والعباد من المجازر والمذابح والمشانق، في عالم متواطئ ومتآمر ضد السودان وشعبه.
القائد الحقيقي لا يغرق في نبش أخطاء الماضي، ولا يبحث عن مبررات واهية لإرضاء ضميره، بل يواجه الواقع، ويبدأ بنفسه قبل أن يلوم شعبه، ويبتكر المبادرات الجريئة التي قد تتجاوز قناعاته الخاصة إذا كانت تصب في مصلحة الوطن.
القائد الحقيقي لا يستغل الأزمات، ولا يوظف صبر شعبه خشية انقسام الصفوف تكتيكًا سياسيًا، بل يصون الوحدة الوطنية كأغلى ما يملك. لا يصمت انتظارًا لمكاسب، ولا يبتزّ شعبه طلبًا لتوسيع نفوذ حزبه او حركته التي يتزعمها. من غير الأخلاقي أن يُطلب من الشعب الانضمام إلى جهة معينة مقابل الحماية أو التسليح – كما نسمع من بعض القادة – فهذا طرح تجاوزه الزمن، ولا يليق بظرف استثنائي يتطلب التجرّد من كل مصلحة خاصة من أجل إنقاذ الناس من الإبادة.
الدولة نفسها أعلنت الاستنفار ودعت لتسليح كل من يستطيع حمل السلاح. فهل يعقل أن يُقال للمواطن: “إما أن تنضم إلينا لتحمي نفسك، أو فلتواجه مصيرك وحدك”؟ هذه ليست قيادة، بل مساومة على البقاء.
القائد الحقيقي لا يكذب على شعبه ولا يخدره بوعود زائفة يعرف أنها لن تتحقق. القائد يصغي لنداءات الناس، يدرس مطالبهم بتمعن، ويعمل على تلبيتها بأقصى ما يستطيع. وإذا أخطأ، يعترف، ويصحح، ويواصل خدمته لشعبه.
هو من يتعلم من العامة والمتعلمين، يشاورهم، ويضع الخطط قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى، ويعيد تقييمها حسب الظروف، خاصة في حالات الطوارئ كالتي نمر بها الآن.
القائد لا يخون شعبه، ولا يطلق الجيوش الإلكترونية من غرف الظلام لمطاردتهم، بل يسعى لتوحيد الصفوف، حتى لو كلّفه ذلك التنازل عن بعض حقوقه أو طموحاته. لا يخشى في الحق لومة لائم. وإن ضاقت عليه السبل وانعدمت الحلول، فليملك شجاعة الاستقالة حفاظًا على تاريخه وكرامته.
ما حدث في معسكر زمزم من مجازر ومشانق وجرائم وحشية ارتكبتها مليشيا الدعم السريع ضد النازحين لم يكن ليحدث لو وُجد القائد الحقيقي بالمواصفات التي ذكرناها. ما جرى هناك هو الأسوأ على الإطلاق في ذكري العام الثاني من حرب الوجود، تنفيذًا لخطة إبادة وتطهير واستبدال واستباحة، وسط صمت العالم و قادة الأمر الواقع يبدو ان العامين الماضيين غير كافي حتى يتعلموا من اخطاء الماضي.
ورغم ذلك، تصدى شباب المقاومة في معسكر زمزم ببسالة، دافعوا عن أهلهم بما توفر لهم، وحققوا نصرًا حسب موازين القوة، حتى وإن سقط المعسكر في يد الجنجويد بعد ثلاث أيام من القتال. التحية للأحياء منهم، والرحمة للشهداء الذين خسروا المعركة مرفوعي الرأس، ولم ولن يخسروا الحرب. فقد أدوا واجبهم الوطني بأعلى درجات الشرف، ودوّن التاريخ نضالهم.
والآن، بعد كل هذه المجازر، ما الذي ياخر فك حصار الفاشر؟ نأمل أن يظهر القائد الحقيقي ليقوم بواجبه، بعيدًا عن قيود الماضي وأحماله الثقيلة. فالقائد لا ينظر إلى الخلف، بل يقود إلى الأمام.
آن لقادة الأمر الواقع أن يسألوا أنفسهم بصدق: هل نحن قادة حقيقيون أم مجرد واجهات؟ ليحدد كلٌّ موقعه بوضوح، قبل أن ينفجر غضب الشعب.
لقد طفح الكيل، وبلغ السيل الزبى. إما أن تعدّلوا المسار وتصبحوا قادة حقيقيين، أو تتحملوا النتائج الكارثية القادمة التي لن تترك أحدًا. إن صمت الشعب لا يعني جهله بحقوقه. والكلمة الأخيرة دائمًا للشعب، وحينها لا ينفع الندم، ولا تحميكم حركاتكم ولا أحزابكم. فالخسارة الكبرى ستكون لمن خان، لا لمن ثار.
