الدكتور الدرديري محمد أحمد – وزير الخارجية الأسبق
أدى انتخاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عام 2016 والسياسات التي اتبعها في ولايته الأولى إلى تسارع ميلاد نظام دولي متعدد الأقطاب. ومن ثم أُرخ بقدوم ترامب لنهاية النظام العالمي المسمى “برهة الأحادية القطبية” Unipolar Moment، الذي بدأ بسقوط جدار برلين عام 1989، ولميلاد النظام متعدد القطبية Multipolar Order الذي لا يزال قيد التشكل. فتراجع أمريكا عن القيادة التقليدية للعالم، تحت شعار “أمريكا أولاً”، أتاح الفرصة لدول أخرى لتولي أدوار أكبر على الساحة الدولية. فبينما أدت الحرب التجارية مع الصين إلى تعزيز مكانتها العالمية وتوسيع استراتيجيتها الاقتصادية عبر مبادرة الحزام والطريق، فإن السياسة المتساهلة نسبيًا لترامب تجاه روسيا قد أعطتها مساحة لتعزيز نفوذها ومكنتها من التدخل بشكل أكبر في الشؤون الأوروبية والشرق أوسطية. واضطرت سياسة إدارة ترامب الأولى تجاه الناتو الدول الأوروبية لتبني سياسة “الاستقلال الاستراتيجي” بعد أن انتقد ترامب علنًا ما اعتبره اعتمادًا كبيرًا من تلك الدول على الولايات المتحدة في الدفاع عن أوروبا ووضع لها حدًا أدنى للإنفاق العسكري لابد لها من تحقيقه. كذلك، وبسبب تراجع التدخل الأمريكي المباشر في مختلف بقاع العالم، برزت قوى إقليمية تسعى إلى تحقيق نفوذ خاص بها، كل ضمن نطاقها، مثل الهند وتركيا والبرازيل وإسرائيل. ومن ثم فإن أهم الآثار المنتظرة لعودة ترامب هي تعزيز النظام الدولي متعدد القطبية. هذا على مستوى الساحة الدولية.
أما على المستوى الأفريقي، والذي نتخذه مدخلًا للنظر في انعكاسات عودة ترامب على السودان، فإن أهم ما اتسمت به سياسة إدارة ترامب الأولى تجاه أفريقيا هو اللامبالاة والعزوف عن التدخل الأمريكي التقليدي في القارة في عدة مجالات رئيسية. فكفت أمريكا عن المشاركة في عمليات البناء الوطني وحل الصراعات وتمويل عمليات حفظ السلام وتقديم المساعدات الإنسانية. وحيث إنه يتوقع أن يتبع ترامب ذات السياسة في إدارته الجديدة، فإنه من المرجح أن تركز هذه الإدارة على تقليص التكاليف الأمريكية في إفريقيا خاصة في عمليات حفظ السلام، وتقليل تواجد القوات الأمريكية في أفريقيا – كما فعل في المرة الماضية حين خفض قوات بلاده في منطقة الساحل- وتقليل برامج المساعدات التنموية والإنسانية. وكما فعل في ولايته السابقة، من المتوقع أن يعتمد ترامب على توجيه المساعدات المباشرة وربطها بمصالح استراتيجية أمريكية واضحة بدلاً من تقديمها كجزء من جهود البناء الوطني للدولة الأفريقية المستهدفة.
كذلك عرف عن إدارة ترامب السابقة العزوف عن حل النزاعات ودعم السلام. فلم يكن هناك اهتمام كبير منها بدعم الجهود الدبلوماسية لحل الأزمات في مناطق مثل جنوب السودان وأفريقيا الوسطى التي لم تعترض إدارة ترامب على أن يتولى السودان الوساطة فيهما في آخر عهد الرئيس البشير. ويقال مثل ذلك عن جمهورية الكونغو الديمقراطية التي ترك المجال فيها مفتوحًا أمام دول أخرى، مثل فرنسا، ولمنظمات إقليمية كالاتحاد الأفريقي، للعمل على حل نزاعاتها.
كذلك كانت أفريقيا أثناء إدارة ترامب الأولى حلبة من حلبات الصراع الأمريكي مع الصين. إذ ركز ترامب على مساعي إقصاء الصين عن أفريقيا بدلاً من بناء علاقات تنموية أو تحالفات عميقة مع الدول الأفريقية. وكان جون بولتون مستشار الأمن القومي الأمريكي لترامب هو عراب تلك السياسة المسماة “نحو استراتيجية جديدة لأفريقيا” التي قدمها عام 2018. بناء على تلك السياسة سعت إدارة ترامب الأولى للحد من النفوذ الصيني في القارة، خاصة في مشاريع البنية التحتية والموارد الطبيعية، لكن بدون أن تقدم بديلاً للدول الأفريقية. وبينما أدى ذلك إلى تراجع دور الوكالات الأمريكية في دعم مشاريع التنمية في أفريقيا، فإنه، من الناحية الأخرى، أدى إلى تزايد اهتمام الدول الأفريقية بالشراكة مع الصين كون أن الصين تقدم تمويلاً بشروط مرنة ولا تربطه بأجندة سياسية.
وهكذا فإن أهم الآثار المتوقعة لعودة ترامب على أفريقيا هي تقليل التدخل المباشر في القارة الأفريقية، وربط الدعم الأمريكي بمصالح استراتيجية واضحة دون الالتزام بتمويلات كبيرة أو المشاركة المباشرة في حل النزاعات. ومن المحتمل أن تكون أولوياته تجاه أفريقيا اقتصادية وتجارية أكثر منها سياسية أو إنسانية، حيث إنه سيركز هذه المرة على الأغلب على تقليص النفوذ الصيني، وربما الروسي، عبر اتفاقيات تجارية واستثمارات خاصة عن طريق شركات أمريكية كبرى.
وبالرغم من أنه من غير المرجح عودة بولتون ضمن إدارة ترامب الجديدة، خاصة بعد انتهاء مهمته الفائتة بتوتر قاد لمغادرته منصبه ثم انتقاده ترامب علنًا، إلا أن السياسة التي وضعها بولتون لأفريقيا ستستمر على الأرجح كونها تتماهى مع توجه ترامب وسياساته العامة. وكان مارك قرين مدير منظمة العون الأمريكي USAID في ولاية ترامب الأولى من أكثر الدبلوماسيين الفاعلين في تنفيذ تلك السياسة. ففي عهده تم تقليص المشروعات كاملة التمويل. ومن ثم فإننا لا نستبعد عودة قرين، رغم أنه ليس على رأس قائمة رموز الإدارة السابقة الذين ترجح عودتهم بسبب أنه كان يدعم نهجًا أكثر تساهلاً في تنفيذ استراتيجية بولتون ويعمل لاستمرارية بعض الدعم التنموي.
من أبرز الدبلوماسيين الأمريكيين الذين أداروا الملف الأفريقي في عهد ترامب تيبور ناق Tibor Nagy مساعد وزير الخارجية للشؤون الأفريقية. عرف عن ناق أنه كان يؤمن بضرورة بناء شراكات اقتصادية مع الدول الأفريقية. ورغم دعمه لإقصاء الصين عن أفريقيا، إلا أنه دعا لأن يكون ذلك بالتركيز على “الشراكة المتكافئة” مع الأفارقة بدلًا من المواجهة المكشوفة مع الصين. كان ناق من الدبلوماسيين الأمريكيين القلائل الذين يتابعون الملف السوداني عن كثب. وقد تزامنت فترتي في قيادة وزارة الخارجية مع فترته كمساعد لوزير الخارجية الأمريكي وكان دائم التواصل معي بالهاتف وحريصًا على إحراز تقدم في الملف السوداني. بعد التغيير في أبريل 2019، كان ناق أول دبلوماسي غربي يزور السودان. ناق شخصية محترمة في أوساط الجمهوريين ويمكن أن يعود في أي إدارة جمهورية تتبنى نهجًا مرنًا تجاه أفريقيا. لكن سياسات ترامب التقليصية قد لا تتماشى مع مواقف ناق التي تدعو للتعاون وبناء التحالفات. ومن ثم فإن عودة تيبور ناق من عدمها تعد مؤشرًا مهمًا في توجهات الإدارة الجديدة لترامب إزاء أفريقيا.
أيضًا من الدبلوماسيين البارزين في إدارة ترامب الأولى الذين تعاطوا مع الملف السوداني هناك سيريل سارتور Cyril Sartor الذي شغل منصب كبير مساعدي مستشار الأمن القومي للشؤون الأفريقية. يتمتع سارتور بخبرة طويلة في الشؤون الأفريقية، حيث عمل لسنوات عديدة في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) متخصصًا في قضايا أفريقيا. وبالرغم من أن سارتور، الذي هو من أصول أفريقية، كان داعمًا لاستراتيجية ترامب التي تركز على مواجهة النفوذ الصيني والروسي في أفريقيا، إلا أنه كان يرى أن يكون ذلك بتعزيز العلاقات الاقتصادية والأمنية مع الدول الأفريقية بما يتماشى مع أولويات الأمن القومي الأمريكي. وسارتور من الدبلوماسيين الجمهوريين القلائل الملمين بالشأن السوداني. وقد التقيته لأول مرة في واشنطن في أول زيارة لي للولايات المتحدة كوزير في سبتمبر 2018. وكان لقاءً عاصفًا. فالرجل لا يخلو من حدة وفجاجة عرف بها بعض السود في أمريكا. إلا أن الأمور سارت بعدها على ما يرام ولبى سارتور دعوتي لزيارة الخرطوم فزارها في يناير 2019 واستمرت الزيارة لعدة أيام جرت فيها مفاوضات جيدة بشأن رفع اسم السودان من لائحة العقوبات الأمريكية. وأذكر جيدًا أنه حين ودعني حرص على أن تكون عبارة الفراق “parting shot” (وهي تقليد أمريكي يُلخص فيه المفارق مشاعره أو مواقفه في رسالة وداع مركزة) هي: “الدرديري، إن هذا الأمر سينجز” Dirdeiry, this will be done! غير أنه ما كان لما بدأناه أن يبلغ غايته بسبب التغيير الذي وقع بعد تلك الزيارة بأشهر قليلة. قد تكون هناك فرصة لعودة سيريل سارتور في موقع مرموق في إدارة ترامب الجديدة، وذلك نظرًا لخبرته الواسعة وفهمه العميق للقضايا الأفريقية ولكيفية إدارة التنافس الدولي حول أفريقيا.
الدبلوماسي الآخر الأكثر أهمية للسودان في إدارة ترامب السابقة هو نائب وزير الخارجية الأمريكي جون سوليفان الذي كان معنيًا بمتابعة الملف الأفريقي ورفع العقوبات عن السودان. تولى سوليفان منصب نائب وزير الخارجية من 2017 حتى 2019، ومن ثم بدأت علاقته بالسودان في عهد سلفي البروفسير إبراهيم غندور ثم امتدت معي.
