تقرير اليونيسف عن السودان: تمرين مقلق في التعتيم والتوجيه المضلل

بقلم د. مصطفى شرف الدين – طبيب و كاتب سوداني 

في نداء عالمي للتحرك، أصدرت اليونيسف تقريرًا يسلط الضوء على الارتفاع المروع لحالات الاغتصاب والعنف الجنسي ضد الأطفال في السودان. ومع ذلك، بدلاً من كشف الحقيقة الكاملة وراء هذه الفظائع، عمد التقرير إلى تجنب الإشارة إلى الجناة الرئيسيين. إن التجاهل المتعمد لذكر قوات الدعم السريع (RSF) باعتبارها الجهة الأساسية المسؤولة عن هذه الوحشية لا يُضعف مصداقية التقرير فحسب، بل يوفر أيضًا غطاءً للفصيل الذي يقود السودان إلى الفوضى.

التغاضي عن تسمية الجناة: إغفال محسوب

يستخدم تقرير اليونيسف مصطلحات فضفاضة مثل “رجال مسلحون” عند الإشارة إلى مرتكبي الجرائم، وهي عبارات مبهمة وغير كافية تمحو المسؤولية عن هذه الفظائع. إن هذه الضبابية غير مبررة في ظل وجود كم هائل من الأدلة، سواء من التقارير الميدانية أو التحقيقات الحقوقية الدولية، التي تربط قوات الدعم السريع بشكل مباشر بالاغتصاب المنهجي، والاتجار بالأطفال، والتعذيب الوحشي في السودان.

بصفتي متخصصًا في المجال الطبي ولدي خبرة في مناطق النزاعات، أدرك أن التعرف الدقيق على الجهة المسؤولة عن العنف أمر بالغ الأهمية لمعالجة الأزمات ومنعها. لذا، فإن رفض ذكر قوات الدعم السريع ليس مجرد سهو، بل هو خيار متعمد. ولكن لماذا؟ من المرجح أن يكون الجواب مرتبطًا بضرورات سياسية، وضغوط خارجية، ورغبة بعض المنظمات الدولية في تجنب المواجهة المباشرة مع الفاعلين الأقوياء. إن تردد اليونيسف في فضح جرائم قوات الدعم السريع يعكس نمطًا مزعجًا من التهرب الدبلوماسي، حيث يتم التضحية بالحقيقة مقابل الحياد المُتصوَّر.

غياب العمق التحقيقي: إساءة لضحايا السودان

يوفر تقرير اليونيسف إحصائيات وتحليلًا عامًا للوضع، لكنه لا يذهب إلى أبعد من ذلك للمطالبة بتحقيق أعمق حول دور قوات الدعم السريع. رغم امتلاك المنظمة الموارد والقدرة لإجراء تحقيقات واسعة، إلا أن التقرير يبدو مصممًا ليكون عامًا دون تقديم تفاصيل حاسمة، مما يؤدي إلى تصوير مخفف للأزمة في السودان لا يدفع نحو تحرك حاسم.

لو تبنت اليونيسف نهجًا استقصائيًا أكثر صرامة، لكانت نتائج تقريرها بمثابة دعوة لا يمكن إنكارها لتحقيق العدالة. لكن بتصوير جرائم قوات الدعم السريع على أنها مجرد جزء من “نزاع مسلح” غير محدد، فقد اختارت المنظمة التخفيف من حدة الكارثة، مما يخون الأطفال الذين تزعم أنها تحميهم.

عواقب التقارير الغامضة: حماية الجناة بدلًا من الضحايا

إن رفض تسمية قوات الدعم السريع بوضوح في التقرير يمنحها حصانة ضمنية. هذا الخطاب المُعقَّم يتيح لهذه القوات مواصلة إرهابها بلا عقاب، كما يمنع في الوقت ذاته تنفيذ استراتيجيات فعالة للتدخل ووقف الجرائم.

كما أن اللغة المبهمة تنطوي على خطر تطبيع هذه الفظائع. فعندما تفشل المنظمات الدولية في إدانة الجناة بشكل صريح، يبدأ العالم في رؤية مثل هذه الجرائم كـ”نتيجة طبيعية للحرب”، بدلاً من كونها وحشية ممنهجة ومقصودة. إن هذا التخاذل خطير للغاية، لأنه يغذي اللامبالاة بدلاً من الغضب، ويشجع على التقاعس بدلاً من التحرك لتحقيق العدالة.

تحدٍّ مباشر لليونيسف: أين المساءلة؟

بصفتي شخصًا عمل في مناطق النزاع وشهد أهوالًا ارتُكبت بحق المدنيين الأبرياء، أطرح أسئلة مباشرة وعاجلة على اليونيسف:

• هل تفتقر المنظمة إلى المعلومات الكافية، أم أنها تتعمّد إغفال تورط قوات الدعم السريع لأسباب سياسية؟

• لماذا تفشل منظمة تدافع تاريخيًا عن سلامة الأطفال في إدانة قوات الدعم السريع بشكل واضح وصريح؟

• هل هذا نشاط انتقائي؟ وهل يُملي مصالح المانحين نهج اليونيسف بدلاً من التزامها الثابت بالحقيقة والعدالة؟

إذا كانت اليونيسف ترغب في الحفاظ على مصداقيتها كمدافع حقيقي عن حقوق الأطفال، فعليها أن تفعل أكثر من مجرد إصدار بيانات عامة مخففة. يجب عليها أن تتخذ موقفًا حاسمًا وواضحًا ضد من يرتكبون جرائم لا توصف بحق الأطفال السودانيين.

أي شيء أقل من ذلك هو تواطؤ في معاناتهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *