كيف نحتفل والفاشر محاصرة ودارفور تحت نيران التتار؟

حسين بَقَيرة – كاتب سوداني بالمملكة المتحدة

السرّاء والضرّاء، الحزن والفرح، كثيرًا ما يأتيان معًا في لحظات الحياة المختلفة. وعندما يتزامنان، فإن الأغلبية تميل إلى تقديم الحزن وتأجيل الفرح لفترة من الزمن حتى تمتص الصدمة الأولية، ثم تحدد لاحقًا موعدًا للاحتفال. هذا على مستوى الأفراد والعائلات، ولكن عندما يتعلق الأمر بوطن يعيش مأساة حرب طاحنة، فإن الأمر أكثر تعقيدًا. السودان اليوم يغرق في بحر من الأحزان، جراء الحرب الكارثية والفظائع التي ترتكبها مليشيا الد_عم السر_يع الارهابية بحق المواطنين العزل، إلى جانب تدمير مؤسسات الدولة و استمرار في عملية الإبادة الجماعية لشعب السوداني برمته، التي بدأت في 15 أبريل 2023 وما زالت مستمرة حتى اللحظة.

لم يشعر السودانيون بطعم الفرح منذ اندلاع هذه الحرب، بل إن أهل دارفور لم يذوقوا السعادة منذ عام 2004، إذ ظلوا تحت وابل نيران الجنجويد، حيث أُبيد منهم من أُبيد في الإبادة الجماعية الأولى، واليوم يتعرضون لإبادة جماعية ثانية، ما يعني أن أوضاعهم تزداد سوءًا تحت ظل هذه الحرب التي أشعلها الجنجويد وأعوانهم.

شاهدت مؤخرًا صورًا ومقاطع فيديو لفاعليتين، إحداهما في القاهرة بتاريخ 5 فبراير 2025، والثانية في مدينة مانشستر يوم 8 فبراير 2025، في إطار الاحتفالات بانتصارات الجيش السوداني و القوات المساندة له. لكن الملاحظة الأولى كانت ضعف الحضور وعزوف الشعب عن المشاركة، إضافة إلى غياب التنوع. والسؤال الأهم: هل هذه هي أولوية الشعب السوداني في هذه اللحظة؟

الاحتفال بالانتصارات العسكرية فور تحقيقها وبشكل عفوي أمر مشروع، بل وضروري لتعزيز الروح المعنوية للمقاتلين وإشعال حماس الشعب لمواصلة النضال. لكن تنظيم احتفالات شبه رسمية، وتحديد مواعيد لها، وحشد الناس للرقص وتكريم البعض قبل تحقيق النصر الكامل، هو أمر غير مبرر، خاصة إن كانت وراءه دوافع سياسية. إن الاحتفال الحقيقي يجب أن يأتي بعد تحقيق الانتصار النهائي على الجنجويد الاوباش في كل شبر من السودان، وليس بانتصارات جزئية قد توحي وكأن المعركة قد حُسمت، بينما لا تزال أجزاء كبيرة من البلاد تحت الاحتلال المرتزقة.

كيف نحتفل والفاشر محاصرة منذ عشرة أشهر؟

كيف نفرح بينما الجنينة، نيالا، زالنجي، الضعين، وأجزاء من شمال وجنوب كردفان لا تزال ترزح تحت سيطرة مليشيا الجنجويد الارهابية؟ أليست هذه الولايات جزءًا من السودان؟ ألا يستحق أهلها الدعم والمساندة؟ إن أبناء هذه المناطق قدموا أرواحهم دفاعًا عن السودان وما زالوا يفعلون، فهل من العدل أن نطلق أهازيج الفرح بينما بلادهم لا تزال تئن تحت القصف والاحتلال؟

لا يفوتنا أيضًا أن نذكر أن جزءًا من العاصمة الخرطوم ما زال تحت سيطرة الجنجويد، إضافة إلى مناطق أخرى في كردفان ودارفور. وحتى يكون للاحتفال معنى، يجب أن يكون الجميع شركاء فيه، وأن نعيش كجسد واحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

على من ينظمون هذه الاحتفالات أن يعيدوا النظر في أولوياتهم، وأن يقيموا الموقف بموضوعية، فالسودانيون اليوم متحدون في معركة الكرامة، ليس حبًا في الحرب، ولكن دفاعًا عن وجودهم وكرامتهم. والخطر لا يزال قائمًا، والإبادة الجماعية مستمرة، خاصة في الفاشر ومعسكرات النزوح (زمزم، أبو شوك، والقُرى المجاورة). كيف نحتفل وهناك آلاف الأرواح تحت تهديد التطهير العرقي؟

الوحدة الوطنية الحقيقية لا تتحقق بالشعارات، بل بالعمل الجاد الذي يشعر به الجميع. لا يمكن سرقة مجهودات الأبطال الذين ضحوا بأرواحهم من أجل هذا الوطن، فمنهم من استشهد، ومنهم من ينتظر، وهناك أسرى ومفقودون يعيشون في سجون الذل والإهانة لدى الجنجويد. كيف يخطر لنا أن نحتفل بانتصارات جزئية بينما رفاقنا يقبعون في الأسر؟ كيف سننظر إليهم عندما يطلق سراحهم بإذن الله؟

على الجميع مراجعة مواقفهم والابتعاد عن عقلية الانتهازية، سواء كان ذلك عن وعي أو دون قصد. يجب أن ننظر إلى القضية السودانية في إطارها الكلي، بعيدًا عن الحسابات الضيقة التي دمرت البلاد.

غدًا سننتصر، وسنحتفل جميعًا عندما يتحرر السودان بالكامل. سنكرم شهداءنا الأبرار، وسنعيد بناء وطن موحد، من دار أندوكة إلى بورتسودان، ليظل السودان سودانًا بتنوعه الفريد وهويته الجامعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *