إنقاذ الفاشر أولاً

حسين بَقَيرة – كاتب سوداني بالمملكة المتحدة

الفاشر قلعة الرجال، وعرين الأبطال، وصليل السلاطين، ورمز النضال والصمود، وعنوان الوطنية. يشهد التاريخ أن الرجال والنساء والأطفال وكبار السن الذين عاشوا ويعيشون هذه المأساة في مدينة الفاشر، قد كتبوا تاريخهم بدمائهم وصمودهم، وشهد لهم العالم بذلك. شعب الفاشر يستحق من الحكومة المركزية، والشعب السوداني، بل ومن الإنسانية جمعاء، وقفة حقيقية لإنقاذه بأسرع ما يمكن من هذا الحصار الذي طال أمده دون مبرر.

فأكثر من عام والفاشر تحت حصار مليشيا الجنجويد الارهابية التي تمنع دخول الغذاء و الدواء و المنظمات الدولية، بغرض قتل أهلها ببطء، إضافة إلى القصف العشوائي المستمر. فأين ضمير الشعوب تجاه ما يحدث هناك؟ وأين الأمم التي تزعم الدفاع عن الإنسان وكرامته؟

شجعان الفاشر صمدوا وصابروا وقاتلوا من أجل السودان كله؛ فلولا صمودهم لما تحررت الجزيرة ولا الخرطوم ولا مصفاة الجيلي، ولما تبقى السودان الذي سعت أسرة آل دقلو لتحويله إلى مملكتها الخاصة. الفاشر لم تقاتل لنفسها، بل استجابت لنداء الوطن عندما تكالب الأعداء، فأصبحت معركة وجود حقيقية، وتمكنت المدينة من تحييد قادة المليشيا والقضاء على معظمهم، ما أسهم في تعافي أجزاء من البلاد.

اليوم نسمع أصواتًا تتنكر لجميل الفاشر، وتنشغل بقضايا ما بعد الحرب والتنمية، في حين لا نرى مظاهرات في المدن الآمنة تطالب بفك حصار الفاشر، رغم أن هناك من يخرج متضامنًا مع قضايا بعيدة مثل غزة، التي نتمنى لها الفرج، لكن أين الفاشر في وجدان الشعب السوداني؟

واجب الساعة والأولوية القصوى هو مناصرة الفاشر وإنقاذ أطفالها ونسائها الذين يصرخون طلبًا للغذاء والدواء. الوضع الإنساني بالغ السوء، إذ يعتمد البعض على مخلفات العلف (الأمباز) لسد رمقهم. كيف يُعقل أن نرى مثل هذا في عصر العولمة والتكنولوجيا، والعالم كله يراقب دون أن يتحرك؟ بل يبدو أن هناك من يتلذذ بهذه الجرائم ضد الإنسانية!

الأدهى أن الحكومة منشغلة بقضايا تقاسم السلطة وإعادة الإعمار وخطط التنمية، في حين يتضور أهل الفاشر جوعًا ويموتون مرضًا وقصفًا. فأيهما أَولى: إنقاذ النساء والأطفال أم وضع استراتيجيات تنموية في بلد ما زال تحت ركام الحرب؟

الوقت الآن لإعلان حالة الطوارئ القصوى لإنقاذ من تبقى من أهل الفاشر. لا بد من كسر هذا الحصار بأي وسيلة، فالوضع لم يعد يُحتمل. على مندوب السودان لدى الأمم المتحدة، د. حارث إدريس، أن يطلب عقد جلسة عاجلة لمجلس الأمن لاتخاذ قرارات صارمة لإيصال الغذاء والدواء إلى الفاشر، بعدما منعت مليشيا الجنجويد دخول المساعدات وصادرتها وأحرقتها لإجبار السكان على الفرار أو الموت.

هذه الجرائم تضاف إلى سجل الجنجويد الحافل بالإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. ومع ذلك، صمدت مدينة الفاشر تحت الحصار والقصف العشوائي وتدمير البنى الحيوية، مؤكدة شجاعة أهلها وبسالتهم. كل من بقي هناك يستحق وسام الشجاعة والوطنية من الدرجة الأولى.

نحن على يقين أن الله سينصرهم نصرًا عزيزًا مقتدرًا. لن ننسى تضحياتهم، مدنيين كانوا أو عسكريين، من القوات المستنفرة وقوات قشن والقوة المشتركة والقوات المسلحة (الفرقة السادسة مشاة)، وكل من وقف بجانب الفاشر ولو بالدعاء.

الفاشر، مدينة الصمود، سجلت اسمها في صفحات التاريخ، وعلى الحكومة أن تعيد ترتيب أولوياتها لتكسر هذا الحصار الجائر، حتى يتنفس السودان كله الصعداء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *