الذي بيته من زجاج لا يرجم الناس بالحجارة

شريف عبدالشافع – محامي و كاتب سوداني 

في العلاقات الدولية وخاصة في البلدان المجاورة، هنالك مبدأ (حسن الجوار). فمتى ما رُوعي هذا المبدأ، شهدت استقرارًا في شتى المجالات. وبمفهوم المخالفة، فإن لم يُراعَ، تدب الخلافات بينها وقد تصل أحيانًا إلى قطع العلاقات وإغلاق الحدود. فالدول الرشيدة تسعى دومًا لخلق علاقات استراتيجية مع الدول الأخرى قائمة على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. وتتوطد العلاقات أكثر مع دول الجوار، قد تصل إلى إلغاء بعض القيود بموجب اتفاقيات ثنائية أو متعددة الأطراف لمصلحة ورفاهية شعوب تلك البلاد.

السودان دولة ذات سيادة ولها حدود مترامية مع ثمان دول، ولا توجد عوائق طبيعية مع معظمها، فضلًا عن التداخل القبلي والثقافي.

للسودان حدود تصل إلى أكثر من ثلاثة آلاف كيلومتر مع الجارة الغربية تشاد، معظمها تغطيها الصحراء والسهول. وقد شهدت توترات عديدة منذ عقود بسبب الثورات التي قامت هنا وهناك، وتم تبادل الاتهامات في حوادث عدة طُويت جميعها بالمباحثات.

إزاء الأحداث المتكررة وخاصة على الحدود المتاخمة وحرصًا من قيادة الدولتين على الاستقرار، تبلورت فكرة إنشاء (القوات المشتركة) لضبط الأمن والحد من تحركات الحركات المناوئة للدولتين. وكانت لهذه القوات القدح المعلى في ضبط ومراقبة الحدود، وأدت دورها المرتجى بل أصبحت نواة ونموذجًا يُحتذى ووجدت صدى من المجتمعين الإقليمي والدولي إلى وقت قريب.

ولكن بعد الحرب الأخيرة التي شهدتها بلادنا وامتدت أوارها إلى حدودنا الغربية، ساهمت الجارة تشاد في تأجيجها تارة بفتح مجالها الجوي وتسخير مطاراتها لدعم مليشيا الدعم السريع بالمؤن والعتاد. واستقبل مطار أم جرس أسطولًا من الطائرات من الدول الداعمة للمليشيا، دون مراعاة للعلاقات الأزلية، ضاربة بسياسة حسن الجوار عرض الحائط. ولم تكتفِ بذلك، بل فتحت حدودها البرية وخاصة معبر أدرى لتهريب الوقود والأسلحة للمليشيا تحت غطاء المساعدات الإنسانية. كما غضّت الطرف عن تدفق مئات الآلاف من المرتزقة وعبور حدودها صوب السودان.

للأسف، ظلت تشاد غافلة عن نوايا مليشيا آل دقلو اللاهثة إلى إيجاد موطئ قدم لها لتوطين عربان الشتات وليس مجرد تغيير نظام حكم السودان.

فبعد تبدد أحلام آل دقلو بالسيطرة على البلاد، لجأوا إلى الخطة “ب”. وتشمل الخطة تغيير النظام في تشاد بتكوين معارضة من المرتزقة، وقد شرعوا في ذلك انطلاقًا من الجنينة، وبفتح جبهات أخرى بمعاونة من جماعة بوكو حرام التي قامت باستهداف معسكر للجيش التشادي في منطقة البحيرة وأودى بحياة العشرات من الجنود، بالتزامن مع بسط السيطرة على إقليم دارفور بإسقاط مدينة الفاشر.

أخيرًا، استيقظ الرئيس التشادي من سباته العميق من على وسادة آل زايد المخدّرة بالدولارات، على وقع صفعات بوكو حرام غربًا والمعارضة شرقًا، فقام مؤخرًا بنشر قواته على الحدود شرقًا متأبطًا سلاحه والتوجه غربًا للثأر من جماعة بوكو حرام.

وليس بعيدًا عن الأحداث، بقي لنا أن نشير إلى الأوضاع الداخلية الهشة ومن الدائرة المقربة، خاصة بعد مقتل المعارض الجسور يحيى ديلو. فبدلًا من أن يسعى الرئيس التشادي لطي خلافاته الداخلية وتوطيد أركان حكمه بعد انتخابه رئيسًا، ارتمى في أحضان دول الشر وسيدفع سلطته ثمنًا لتحركاته غير محسوبة العواقب إن لم يُحسن التقدير ويمد يديه بيضاء نحو السودان. (أن تأتي متأخرًا خير لك من التماهي مع العدو الذي يضمر لتشاد ما فعله بالسودان).

على الرئيس التشادي محمد كاكا أن يتخذ خطوات جادة لوقف كافة الأعمال العدائية تجاه السودان حتى يضمن لنفسه البقاء، فالذي بيته من زجاج لا يرجم الناس بالحجارة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *