حذيفة الجلاد
المدهش بحق ليس الفيتو الروسي؛ بل اندهاش البعض منا وكأنهم فوجئوا!؛
وحملة الغضب التي تلت..
المتوقع لا يُدهش.. ولا يجب أن يثير الغضب ضد مستخدمي هذا الحق؛ القائم أساسًا على القوة وليس العدل الدولي.. فالغضب يجب أن نوفره لأنفسنا..
معلوم أن قاعات انعقاد مجالس الهيئات الدولية ليست معنية بالفضائل؛ بل هي أيضًا ساحات صراع عالمي دولي.. تنظر فيه القضايا والقرارات من زاوية إبصار ذلك الصراع لا من منطلق مصلحة شعوب المناطق التي يتصارع فيها على النفوذ، والتي اسمها دولنا؛ أو العالم الثالث أو الرابع؛ أو دول ميادين القتال بالوكالة أو أصالة ثم يتم تدويلها. الدول التي يصدر إليها السلاح؛ والمنظمات؛ وخبراء المنظمات؛ وتسوق فيها كتفًا بكتف نظريات صراع الحضارات والثقافات سويةً وروشتات البنوك؛ وشروط التأهل ل”جدولات” الديون .. ولا بأس من القواعد العسكرية..
دولنا المصنفة في مراكز محتكري اسم “المجتمع الدولي” كدول عمق استراتيجي أمني قومي لها..
لا فرق بين مقترح القرار ورافضه إلا فرق المواقع الآن؛ واختلاف حسابات كل لنفسه.. في اللحظة الراهنة هكذا؛ وغدًا قد تتبدل المواقع ؛ فيتخذ كل موقف الآخر بيسر.. وكل موقف يصاغ لا يستصحب حفظ الأرواح والنفوس ومصالح النازحين والقتلى.. بل ليتفق وواقع تبدل صلات وعلاقات وتمدد في الأرض وواقع سياسي جديد… إلخ.
لن يكون غريبًا ليوم غدا؛ أن تكون روسيا هي مقدم الاقتراح والفيتو يأتي من الاتجاه المعاكس؟
ولو اتفقوا وصدر قرار مجمع عليه، أو أجمعت عليه دول قوى الفيتو ونال من البقية ما يكفي من أصوات.. فسيكون ذلك القرار معبرًا عن توزان قواهم ومصالحهم خارج القاعات الدولية… أي أيضًا لحسابات أنفسهم..
ذلكم أو سيأتي القرار في صالح الشعوب المعنية، أو نحن في السودان؛ لأننا فرضنا على الأرض واقع يحتاج من الجميع التحسب والاستجابة له.. كما حدث في الثورة إذ تركوا جميعهم دعمهم لنظام البشير قليلا.. وأعلنوا دعمهم لإرادة الثوار.. ثم ما لبثوا واستعادوا المبادرة وعادوا بمخطط جديد لتنفيذ ذات المشروع الذي دعموا لأجل تنفيذه نظام البشير.
الخارج لا يأتي ليصنع لك نجاة.. وأي بديل عن اعتماد الداخل أساس للحل لن يقدم لنا شيء عدا المسكنات أو حلول لا تصمد إلا لتفرز واقعًا أسوأ والسلام..
والحرب العالمية الثالثة_ إذا كنا نعيش مقدماتها أو نخوض بحر حربها الباردة مستعرة بين أقطابها_ هي حرب ستكون في طبيعتها كسابقتيها؛ إمبريالية..
أي حرب للثروات والنفوذ والسيطرة لا لأمن الشعوب ..
ولو ظهر طرف دولي كحليف قريب صديق فليس ذلك لأنه كذلك.. ولو [رتل رأس المال]؛ كما قالت؛؛ أو تعلق بكل بنود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وطاف بمبادئها بندِا بندا..
لو جاءت أو جاء طرف منهم بما يبدو مصلحتنا سيكون كذلك لأن هذا يأتي نتيجة ثانوية لصيقة ومصلحته..
ومن يشك في ذلك فليتذكر أن العسكر والمليشيا نجحوا في الوصول للسلطة لأن الخارج أصر على تثبيتهم واقترح الشراكة.. ولم يكن ذلك الخارج يحكم من جوار نهر موسكو.. والعسكر لم يتمكن في الحكم لأنه ما كان يملك وقتها غير هزيمة الثوار للجنرالات كما أوضح ابن عوف.. العسكر حكم لأن الخارج الذي كان يساند البشير حتى أول أشهر الثورة فرضهم في الحكم.. وليس لقوتهم بل لأنه ودونهم لم يكن ثمة ما يمنع الثورة من تحقق اكتمالها.. لم يكن ثمة قوة هبوط ناعم تستطيع دون العسكر كعامل مساعد الوقوف في وجه قوى الثورة..
من يشك في ذلك عليه تذكر أن حرب ما قبل الحرب هي التي أسست لأن تجد الحرب الحالية منفذها إلينا..
حرب ما قبل الحرب كانت حرب مشروع الخارج للمنطقة ضد مشروع الثورة… ولذا من اقترح الشراكة بدءًا لم يكن العسكر.. بل الخارج؛ ونفذه وتولى طرحه في الداخل وحارب لأجله؛ من لا يريدون أن نرى إلا ما يروا.. وهم لا يرون بغير عيون الأجنبي.. ولا بغير والأجنبي منجاة..
لسنا مختلفين عن بقية دول الأرض التي ما فيها دولة نهضت من أزمة سياسية وصلت حد أقسى فعل سياسي وهو الحرب وكان وراء نهوضها غير اعتمادها على شعبها للنهوض.. وكل مخالفة لهذه القاعدة تقدم هدن ومن ثم تفاقم الأزمات وقد تتوالى الحروب بأشد منها ولو بدأ أنها تقدم حلول..
من يظن أن الحرب مفاتيح حلها في الخارج يدفع للارتهان لمسارات الحرب باردة وبالوكالة ويجب أن لا يشكو حين في اطار الحرب يرفع في وجه مصلحته الفيتو.. أيًا كان الطرف الذي يرفعه فطبيعة الأطراف واحدة
ولنتذكر حرب ما قبل الحرب التي أدت لهذه الحرب كانت بين قوى الثورة وتيار الارتهان للخارج الذي فرض الشراكة والتنازلات للعسكر حتى تمكنوا..
الشراكة فرضتها الدولة التي قررت أن الأفضل التعامل مع لوردات الحرب ضد ميثاق الثورة وضد لجان المقاومة اللامركزية كما وصفوها..
الآن هل نغضب من روسيا أو بريطانيا أو أمريكا أو أيًا من كان يدير مصالحه في المنطقة ويدير صراعه مع الآخرين فيها،
أم نغضب من عجزنا عن رؤية ضرورة بناء تحالفاتنا القاعدية.. تنظيم ابناء شعبنا بدءًا.. لنصارع لأنفسنا.. ونفرض وقف الحرب وإبعاد طرفيها عن السلطة؛ والقضاء على أحلامهم بها؛ لنمنع تكرارها.. ونقطع طريق أي وقف جديد لمسار تقدم السودان ووحدته على أساس من ديمقراطية راسخة وتنمية مستدامة.
