تحديات الحرب والسلام بين مصر والسودان واثيوبيا

العوينات – كرب التوم وبينهم اقليم تيغراي 2025

عمار عوض – صحفي مستقل

دخلت الحرب السودانية نفقًا أو منعطفًا جديدًا غاية في الخطورة بعد انتقالها إلى منطقة الحدود السودانية – المصرية / الليبية بعد سيطرة قوات / مليشيا الدعم السريع على منطقة كرب التوم الحدودية والتي تضم قاعدة الشفرليت السودانية العسكرية، وتبعد منطقة كرب التوم نحو 550 كلم من مدينة دنقلا، 600 كلم من مدينة الدبة، 1000 كلم من مدينة الخرطوم.

وسبق ذلك تراجع الجيش السوداني عن منطقة المثلث (العوينات) إلى داخل الأراضي السودانية بغية تنظيم صفوفه متهمًا قوات خليفة حفتر وحلفاءها من الكتيبة السلفية (ذات طابع جهادي) بأنهم من عاون وشارك قوات / مليشيا الدعم السريع للسيطرة على المنطقة الاستراتيجية التي تربط بين حدود مصر والسودان وليبيا، والتي تنبع أهميتها إلى جانب منطقة كرب التوم في أنهما يتحكمان في أكبر منفذ تجاري / بشري تعبر من خلاله شاحنات الوقود والبضائع (من وإلى) دارفور وشمال السودان ويخرج منها كل صادر دارفور من الإبل والماشية وأحيانًا الصمغ والذهب، كما أن التحكم عليها من قبل قوات الدعم السريع يجعلها تتمتع بخطوط إمداد لوجستيات من ذخائر وأسلحة ووقود والجنود المقاتلين ما يجعله يتهدد المدن الرئيسة في الولاية الشمالية وولايات شمال دارفور عبر منطقة المالحة وصولًا إلى الفاشر شمال دارفور.

يشكل هذا التحول السريع في ميدان المعركة بين السودانيين أنه يفتح الباب واسعًا لجر / اضطرار دول مثل مصر بالدرجة الأولى وليبيا بالدرجة الثانية للدخول في (أتون) الصراع السوداني، وستشعر القاهرة بقلق كبير من تحول الحرب وتبعاتها وتقاطعاتها العنيفة إلى حدودها الجنوبية بقلق كبير ليس من ناحية أن حدها الجنوبي كان آخر حدودها الآمنة المستقرة بعد أن حاصرتها الحروب في جانبها الغربي وما شكله من تهديد عبر تسلل الجماعات الجهادية / المصرية إلى داخل الأراضي المصرية لتنفيذ عمليات عسكرية العقد الماضي، والصراع الفلسطيني / الإسرائيلي من ناحية والمصري – المصري من ناحية حدودها الشرقية في منطقة سيناء والبحر الأحمر.

وتتعاظم المخاوف في ظل انسحاب عدد كبير من المقاتلين الأجانب في سوريا بعد سيطرة المعارضة على العاصمة دمشق وقرار عدد كبير من المقاتلين الأجانب الجهاديين عدم الاستجابة لدعوة (الشرع) بالانضمام للجيش السوري وفي ظل السيولة الأمنية المتوقعة حال سيطرة جماعات السلفية الجهادية والمتمردين السودانيين على منطقة المثلث الحدودي وترافق ذلك مع تنفيذ قائد مليشيا / الجنجويد / الدعم السريع محمد حمدان لتهديده بمهاجمة الولاية الشمالية دنقلا والدبة كما يقول شقيقه ونائبه عبد الرحيم، لما يمثله من خطورة على الأمن القومي المصري والسوداني بطبيعة الحال، لأن اشتعال هذه المنطقة – الشريط الحدودي – بالسلاح والمقاتلين يمكن أن يجعل مرور السلاح والمقاتلين إلى الداخل المصري أو السوداني أمرًا واردًا إن لم يكن متوقعًا حتميًا، والذي يقلق القاهرة أكثر لأن النخبة والمؤسسات المصرية واعية تمامًا أنها هدف يراد تصفيته أو إضعافه بشكل كامل في إطار خطط التقسيم وتقاسم النفوذ والصعود الإسرائيلي وخططه المستقبلية مع الرؤى التي تريد تفريغ غزة في صحراء سيناء وليس بعيدًا استغلال هذه التفاعلات لأحداث موجة فوضى مثل تلك التي أعقبت اتفاقات أوسلو للسلام والتي انفجر بعدها صعيد مصر ودخل في أتون حرب التفجيرات والجهاديين سنوات التسعينات.

وبالنسبة للسودان تتعاظم المخاوف أكثر، نسبة لأن سيطرة المتمردين على الجيش (مليشيا الدعم السريع) وحلفائها من الجماعات المسلحة في دارفور وكردفان والتي تجيد وتعرف طرق الصحراء والقتال مع الحركة ما يجعل تهديدات (دقلو إخوان) بمهاجمة الشمالية واقعًا لا يمكن تجاهله وهو الأمر الذي إذا تحقق (لا سمح الله بذلك) سيشكل ضربة قاصمة للوحدة الوطنية السودانية ويخلف شروخًا لن يمحوها الزمن آخذين في الاعتبار تجربة قتال / دخول قوات الدعم السريع / الجنجويد للمدن في الخرطوم ونيالا والأبيض والجنينة وما ترافق معها من عمليات نهب وقتل بلا رحمة واغتصابات وخلافه إذا ما تفجر الصراع داخل المدينة التي تعج بالنازحين من مختلف مدن السودان حالها حال مدينة ود مدني عندما اجتاحها كيكل (عندما كان متحالفًا مع الجنجويد) ما سيشكل كارثة إنسانية غير مشهودة ما سيجعل إنهاء الحرب بشكل سلمي سراب صحراء.

كما تفتح عودة الحرب إلى منطقة المثلث الحدودي مع ليبيا الباب واسعًا لزيادة حجم الكارثة الإنسانية، حيث يعيش في الولاية الشمالية نحو 2 مليون مواطن يعتمدون بشكل شبه كامل على المنفذ الحدودي مع ليبيا والذي تأتي عبره غالب حاجتهم من الوقود الذي يستخدمونه في حياتهم وزراعتهم التي أصبحت في خطر وهم يستعدون للموسم الزراعي الجديد، وكذا أهل شمال دارفور، وفي حال تنفيذ الدعم السريع لوعيده ومهاجمة الشمالية سيخلف ذلك كارثة إنسانية أكبر من تلك التي وقعت في ولاية الجزيرة بعد اجتياحهم مدني، كما سيقضي على آمال إغاثة دارفور عبر مسلك الدبة – الفاشر وهو الذي تحصل عبره ولايات دارفور على كامل حاجتها التي تأتي عبر البحر الأحمر من إغاثات وتجارة وخلافه.

الشرق ليس بخير

لكن قبل الغوص بعيدًا في لُجة الصراع في منطقة المثلث الليبي السوداني والسيناريوهات التي يقود إليها هذا التحول في الحرب ومآلات ذلك في الشمال والشمال / الغرب، يجب علينا أن ننظر إلى واقع السودان وحربه من الجهة المعاكسة تمامًا عند الحدود الشرقية والشرقية الجنوبية، حيث الحدود السودانية الإريترية الإثيوبية في منطقة مثلث الفشقة الكبرى المتاخمة لإقليم تيغراي في إثيوبيا وإريتريا، كذلك على طول الحدود، حيث تصاعدت التوترات بشكل يبعث على القلق من أننا على حواف حرب إريترية – إثيوبية أو قلقلة إثيوبية إريترية يمثلها تحالف الزعماء التاريخيين لجبهة تحرير تيغراي الغاضبون من آبي أحمد ومن رفاقهم والطامحين في دولة تيغراي بعد ما رأوا أنه انهيار للفيدرالية العرقية، بجانب التوترات الأخرى في جبهة تحرير أورومو وقوات فانو وداخل إقليم أمهرا نفسه الذي صار منقسمًا على آبي أحمد.

وكان أوضح مظهر لهذه التوترات وعلاقاتها وتماسها مع السودان هو الزيارة غير المتوقعة ذات الطابع الأمني، مثلها مدير المخابرات الإثيوبي رضوان التيغراوي، ممثلًا في عيتاشو ريدا رئيس إقليم تيغراي الذي انحاز إلى آبي أحمد، صحيح أن المُعلن هو أن إثيوبيا أبدت رغبتها في المساهمة في سلام السودان وما شابه ذلك من قول لا يشفي الفضول، صحيح أيضًا أن مواقع إلكترونية تتابع الشأن الإثيوبي أشارت إلى أن طائرات من سلاح الجو السوداني خلال الضربات التي قامت بها المسيرات على بورتسودان وأنها ما زالت هناك، الحكومة السودانية لم تبدِ أي تعليق حول جميع هذه الأنباء ولا على الزيارة نفسها، يأتي تماس ذلك مع اتهامات متكررة ظل يعيدها قائد المتمردين / مليشيا / الدعم السريع محمد حمدان في تسجيلات صوتية منسوبة له يتهم قوات المعارضة الإثيوبية التيغراي بالقتال إلى جانب الجيش والمقاومة السودانية خلال المعارك في الجزيرة والخرطوم، قبل أن يتوقف مؤخرًا عن هذه الاتهامات، مع أنه أعاد إلى السطح (مجموعة الجهاد الإريتري)، وصحيح أيضًا أنه ليس هناك ثمة أي دليل واحد مادي يشير إلى مشاركة أو مساندة من التيغراي أو غيرهم في هذه الحرب، وصحيح أيضًا أن العلاقات مع إثيوبيا ظلت في حالة تارجح ما بين عدم الاعتراف أو محاباة الدعم السريع وجماعات المعارضة السودانية إلى الوساطة وزيارة بورتسودان النادرة ولقائه مع الجنرال برهان في بورتسودان.

لكن هذا لا يمنع إيضاح أن إثيوبيا نفسها لديها تماسات خارجية عنيفة في ظل واقع داخلي متوتر ومأزوم، فهي تريد الوصول إلى البحر بأي ثمن، وفي سبيل ذلك دخلت في خصومة معلنة مع الصومال ومع إريتريا التي ترى أي تهديد بالوصول للبحر بالقوة هو تهديد حقيقي لأسمرا وكذا مصوع وعموم إريتريا، ويخشى آبي أحمد، الذي يعلم القدرات العسكرية للجيش الإريتري والتي رآها بعينه عندما كانا يقاتلان سويًا جبهة تحرير تيغراي، من انعكاس الوضع الماثل بتحول إريتريا لجانب التيغراي الغاضبين والأمهرا والأورومو المنقسمين على آبي أحمد.

وليس بعيدًا عن ذلك كله صراعات المياه حول سد النهضة، الذي انتهت سنوات الملء المقررة (الملء السابع) الذي أكملته إثيوبيا بعيدًا عن السودان ومصر، ومعلنة استعدادها لإنتاج وتصدير الكهرباء وسط خلاف حاد داخل مبادرة دول حوض النيل الجديدة والداعية لإعادة تقسيم أنصبة المياه.

جيوبوليتك .. تقاطعات الرؤى والمصالح

كل ذلك يجعل المرء أقرب للفهم لطبيعة هذه الانتقالات الحادة في الصراع، وعلاقة ذلك كله بالإقليم وتقاطعاته مع الحرب في السودان، حيث نجد أن انتقال الصراع إلى منطقة المثلث الحدودي مع مصر وليبيا يشكل تهديدًا حقيقيًا للتجارة الحرة بين دارفور والشمالية مع مصر وليبيا، بجانب أنها تهديد يتمثل في ما يمكن أن تقود له السيولة الأمنية من الجريمة العابرة للحدود والهجرة غير الشرعية، وإعطاء مناطق حرة لحركة المجاهدين، وما يشكله ذلك من خطر على الجميع في ظل واقع الشرق الأوسط المتجدد والمأزوم، جزئيًا ما يجعل مفهومها الإجراءات الوقائية التي بدأت تتخذها مصر للقادمين إليها وفق شروط معينة للصعود إلى الطائرة، وكذا يُفهم الربط الدائم الذي تقوده مصر لمساهمتها وتأثيرها وقدرتها على التعامل مع الأزمة السودانية والليبية.

باعتبار أنها صاحبة مصلحة حقيقية في استقرار هذين البلدين، ونجد أن هذا التفهم كان حاضرًا في ثنايا جميع المحادثات والبيانات الصادرة عن مهاتفة وزيري خارجية مصر والولايات المتحدة، أو حتى كبير مستشاري ترامب السيد مسعد بولس الذي التقى المؤسسات المصرية، وكان حاضرًا في استجابته لوجود دور مصري، وظهر ذلك في لقاء الخارجية الأمريكية مع سفراء مصر والسعودية والإمارات في نيويورك بخصوص الأزمة والحرب في السودان.

ومن المعلوم بالضرورة أن مصر تجمعها علاقات وثيقة مع الإمارات في الداخل المصري، وكذلك في ليبيا حيث يدعم / يتواصل البلدان مع جنرال شرق ليبيا خليفة حفتر، وتعلم القاهرة أن أبوظبي لديها تواصل مع الحكومة في طرابلس، وعلى العكس في السودان تتمتع الجمهورية المصرية بعلاقات وثيقة مع الجيش والمجلس السيادي والحكومة في بورتسودان، وتحتفظ بخطوط اتصال فعالة مع قوات / مليشيا الدعم السريع، لكن بعد ما أوضحه شقيق محمد حمدان (عبد الرحيم) في تسجيلاته المصورة بأنه زار القاهرة خلال الحرب، وهو زعم لا يمكن التحقق منه، لكن هناك قيادات من الدعم السريع زارت القاهرة وشاركت في لقاءات سياسية للطابع (ورشة بروميديشن القاهرة).

ومن المعروف أن هناك تباينًا كبيرًا في الرؤى المصرية للأوضاع في السودان بين القاهرة وقصر الحكم في أبوظبي حول الحالة السودانية، كما تُعتبر أبوظبي المستثمر الأول في سد النهضة ومليارات الدولارات في أديس أبابا، ويتهم السودان الإمارات بأنها تدعم مليشيا قوات الدعم السريع، كل هذه التقاطعات والتعايش مع التماسات يبدو أنه في طريقه إما لصالح الحل أو بدء فرز الكيمان. إن تهديد سلامة الجوار الحيوي لمصر عند الحدود الجنوبية / وسلامة مجتمعات النازحين، ورقعة الاستقرار التي تتيح وصول المنظمات وتقليل آثار الحرب بالنسبة للسودان، وفي حال تحقق هذا السيناريو بالتعدي على مدينة دنقلا أو الدبة أو تهديد طرق وسلامة التجارة بين دارفور وليبيا ومصر، كذلك سيجعل سؤال التوتر من المؤسسات المصرية مع الجنرال خليفة حفتر، وإن كان ليس بالضرورة أن يصل ذلك السؤال المباشر للإمارات.

كما أن عودة الصراع بشكل عنيف ودموي ما بين إثيوبيا وإريتريا، أو داخل إثيوبيا بإعلان جبهة تحرير تيغراي بقيادة غبرصون الحرب ضد سلطة وحكومة آبي أحمد، سيجعل أبوظبي ترسل رسائل شتى في صناديق بريد كثيرة، خاصة وأنه يمكن توقع طبيعة الاتهامات الإثيوبية خلال سنوات الحرب الداخلية أو مع السودان، كـ التي كان الجيش السوداني متهمًا من أديس أبابا إلى جانب مصر من نافذة الصراع على سد النهضة.

خلاصات وفرص المستقبل

ومما سبق نخلص إلى أن انتقال الحرب إلى الولاية الشمالية (الحدود مع مصر) وليبيا، سيفتح صندوق (باندورا مرعب) لجميع الأطراف، سواء كان داخل السودان أو في إطار التماسات الكبرى مع ليبيا وحتى الإمارات، ويجبر مصر على الدخول بشكل أكثر مباشرة في ميدان المعارك، وهذا ما يريده آخرون بقطع الطريق عليها داخل الوساطة الجديدة التي كونتها إدارة الرئيس دونالد ترامب.

وبالمقابل فإن عودة الصراع إلى الداخل الإثيوبي سيلقي بظلال عنيفة على منطقة القرن الأفريقي (إريتريا والسودان والصومال)، وسيعيد هذه المنطقة التي تعتبر خزان المهاجرين غير الشرعيين الكبير إلى أوروبا، كما ستوتّر الأوضاع في البحر الأحمر أكثر مما هي متوترة بفعل الحوثيين في خليج عدن، ما سيؤثر بشكل مباشر على حركة التجارة العالمية.

تظل مع ذلك فرص صناعة السلام كبيرة جدًا، من خلال ثنايا الحرب السودانية يمكن أن يخرج مشروع تعاون وبناء سلام يخدم سكان حوض النيل الأزرق وجنوب الساحل الأفريقي (إثيوبيا وإريتريا والسودان ومصر وليبيا وتشاد)، وذلك عبر ابتداع طرق جديدة للتجارة والمناطق التجارية الحرة، وذلك بعد أو خلال الوصول لوقف إطلاق نار في الحرب السودانية، وعبر إنشاء منطقة تجارة حرة في منطقة المثلث الحدودي وتُرفع فيها أعلام مصر والسودان وليبيا، حيث تحقق هذه المنطقة التجارية الحرة استقرارًا إقليميًا ينهي دعوى كل طرف بأحقيته في المثلث، وحتى التقاطعات الداخلية حول المطالبات بجزء من شريط الحدود مع مصر بين الولاية الشمالية وإقليم دارفور، كما ستحقق هذه المنطقة الحرة للتجارة ضبطًا أمنيًا عاليًا لحركة المهاجرين غير الشرعيين عبر قوات مكافحة هجرة مشتركة بين الدول الثلاث.

أما من ناحية الاقتصاد، سيقود ذلك إلى فتح اقتصادي كبير ينظم حركة التجارة بين دول الساحل وجنوب الساحل، الذي تأتي عبره غالب الماشية المتجهة إلى مصر وليبيا تُقدّر بالملايين من جمال وماشية وحرف، فيما تدخل عبره الوقود القادم من ليبيا بأثمان زهيدة تؤثر في الاقتصاد الليبي، بجانب البضائع القادمة من مصر أو من أوروبا، وذلك بالموازاة مع شريط المنطقة الحرة الذي أعلنه نائب رئيس الوزراء المصري كامل الوزير، بغرض بناء مجمعات صناعية ضخمة على الحدود السودانية المصرية قبالة وادي حلفا لتزويد السودان ودول حوض نهر تشاد بالمنتجات المصرية، وهو المشروع الاقتصادي الذي يمكن أن يحدث نقلة كبيرة بين مواطني السودان ومصر وليبيا وتشاد أيضًا.

وبالمقابل، إن قيام مشروع اقتصادي زراعي / صناعي في منطقة ولايات القضارف وكسلا، عبر إعادة إعمار والتوسع في الزراعة في أراضي منطقة الفشقة، عبر أيادٍ عاملة من مزارعين لديهم خبرة بالمنطقة ومحاصيلها من إثيوبيا وإريتريا، وتحديدًا من التيغراي والأمهرا، وبشروط تسمح لهم بحرية الحركة والتمويل من البنوك الإثيوبية أو السودانية، وبدخول رأس المال الخليجي والأوروبي، وعبر شراكات ناجحة، يمكن إقامة مشاريع ضخمة أكبر من الأغراض وعابرة للحدود، على أن يترافق معها منطقة صناعية ضخمة تستفيد هي الأخرى من الكهرباء الإثيوبية لبناء شبكة مصانع تعيد تصدير إنتاجها إلى داخل إثيوبيا والسودان، على أن تستوعب هذه المشاريع الأيادي المصرية الماهرة من عمّال وفنيين ومهندسين وإداريين.

وبهذا نكون قد استفدنا من الكهرباء الإثيوبية، والأراضي السودانية، والمال الخليجي، وتأمين وتحسين فرص النمو الاقتصادي لجمهورية مصر وجمهورية إريتريا، ونكون قد أحدثنا تغييرًا هائلًا في منطقة القرن الأفريقي وجنوب الساحل الأفريقي، وحولنا مجتمعاتهم إلى مجتمعات منتجة ومكتفية وتصدر للعالم هذه المنتجات بدلًا من تصدير صور الحروب والهجرة غير الشرعية.

يمكن القول إن هذه بعض من أحلامنا في البناء والاستقرار والسلام في حوض نهر النيل الأزرق الكبير وجنوب الساحل الأفريقي، لتمتد أواصر التعاون والتجارة لمصلحة شعوب المنطقة، في وقت صارت فيه بلداننا مرتعًا لرؤى ومشاريع التقسيم القادمة من خارج حدود القارة الأفريقية، مستغلة القضايا الخلافية بين الحكومات وداخل إطار النخب التي لا تنظر أبعد من أرنبة أنفها. ولكن ذلك ليس مدعاة للأسف والإحباط، بقدر ما هناك فرص يمكن أن تخرج من تحت رماد الحروب لتبني أوطانًا جديدة. أما نحن الشعوب، فليس من خيار أمامنا سوى الحلم بالمستقبل الذي يمكن أن لا نعيشه إن جاء خيرًا أو شرًا، ولكن حتمًا سيُكتب لنا شرف المحاولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *