وصف رئيس الوزراء السوداني السابق عبد الله حمدوك، في مقابلة نادرة مع وكالة أسوشيتد برس أجراها الصحفي سام ميتز، إعلان الجيش السوداني تشكيل حكومة جديدة بأنه “وهم سياسي لا علاقة له بالواقع”، مؤكّدًا أن استعادة الخرطوم لا تعني شيئًا في ظل استمرار الحرب في مناطق واسعة من البلاد.
وجاء حديث حمدوك على هامش مشاركته في مؤتمر “مؤسسة مو إبراهيم” للحكم الرشيد في المغرب، حيث تناول بالتفصيل رؤيته للوضع الميداني والسياسي في السودان، ورفضه للحلول العسكرية، وموقفه من التدخلات الخارجية، بما في ذلك التقارير التي تتهم دولًا إقليمية — مثل الإمارات — بتسليح أطراف النزاع.
◾ “لا نصر عسكري في هذه الحرب.. الخرطوم وحدها لا تكفي”
قال حمدوك:
“سواء سقطت الخرطوم أو لم تسقط، فذلك لا يغيّر شيئًا. لا يوجد حل عسكري لهذا النزاع. لا طرف سيحقق نصرًا حاسمًا. هذه الحرب قتلت عشرات الآلاف وهجّرت الملايين، والحل الحقيقي لا يأتي من فوهة البندقية.”
وأضاف أن الحديث عن الانتصار في الخرطوم بينما الحرب ما زالت مستعرة في دارفور وكردفان وسينار لا يعني شيئًا سياسيًا أو وطنيًا، وأن الصراع لا يمكن حسمه عبر استعراضات ميدانية في العاصمة.
“تشكيل الحكومة محاولة سخيفة ووهمية”
وفي أول تعليق له على قرار الفريق أول عبد الفتاح البرهان تعيين الدكتور كامل الطيب إدريس رئيسًا للوزراء، قال حمدوك:
“أي محاولة لتشكيل حكومة في السودان اليوم هي وهم. لا معنى لها.”
ثم تابع مؤكدًا:
“فكرة أن تبدأ إعادة الإعمار في الخرطوم بينما الحرب لا تزال مستعرة في دارفور وكردفان وسينار، هي فكرة سخيفة تمامًا.”
وأوضح أن ما يجري لا يمكن اعتباره انتقالًا سياسيًا، بل هو امتداد للمأزق، مضيفًا أن السودان يشهد واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، ولا يمكن بناء استقرار فوق ركام الأجساد والنزوح والجوع.
“الديمقراطية لا تأتي من الجنرالات”
قال حمدوك، الذي يقود حاليًا تحالف “صمود” المدني من المنفى، إن الطريق إلى السلام يمر عبر وقف إطلاق النار فورًا، والبدء في عملية سياسية شاملة تعالج جذور الأزمة، مشيرًا إلى أن الحل لا يمكن أن يتم عبر تعيينات أو ترتيبات فوقية:
“الثقة في أن العسكر سيجلبون الديمقراطية هي وهم خطير. لا أحد يمنح الحرية من فوهة البندقية.”
وأضاف أن السلام يتطلب مواجهة التفاوت التنموي، التهميش، قضايا الهوية، ودور الدين في الحكم، وليس فقط تغيير القيادات أو تبادل السيطرة على الخرطوم.
حمدوك يتجنب إتهام الإمارات بدعم الدعم السريع
ورغم الضغوط التي وجهها له الصحفيون في وكالة أسوشيتد برس لسؤاله عن التقارير التي تتهم الإمارات بإرسال أسلحة إلى قوات الدعم السريع، امتنع حمدوك عن توجيه أي اتهام مباشر، لكنه حذر من استمرار تدفق السلاح إلى السودان من أي جهة كانت.
وقال:
“ما نريده هو أن يتوقف الجميع عن إرسال السلاح لأي جهة. السودان بحاجة إلى وقف الحرب، لا تغذيتها.”
ثم أضاف:
“أولئك الذين يركزون على دولة بعينها بينما يتجاهلون داعمين آخرين، مثل إيران، فهم يروّجون لرواية منحازة.”
مؤكدًا أن استمرار الدعم العسكري الخارجي هو العقبة الأساسية أمام السلام.
المشهد العام: حرب بلا أفق
منذ اندلاع الحرب في أبريل ٢٠٢٣ بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، قُتل ما لا يقل عن ٢٤ ألف شخص، ونزح نحو ١٣ مليونًا، بينهم ٤ ملايين لجأوا إلى دول الجوار. وتواجه البلاد مجاعة واسعة النطاق، وانتشارًا وبائيًا متزايدًا للكوليرا، في ظل انهيار اقتصادي شبه تام.
حمدوك اختتم حديثه برسالة صريحة:
“لا يمكن أن نبدأ في بناء السلام ما لم نوقف الحرب أولًا. ولا يمكن أن نوقف الحرب إن لم نواجه أسبابها. هذه هي الحقيقة، بكل بساطة.”
