عُمران 5: شهادة على مأساة السودان

حسين بَقَيرة – المملكة المتحدة

في مستهل هذا الشهر الفضيل، أهنئ القراء بحلول رمضان المبارك، وأسأل الله أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال.

تزداد الأوضاع الإنسانية تدهورًا في السودان، لا سيما في معسكرات النزوح، حيث تختلف الظروف من منطقة إلى أخرى وفقًا لمدة إقامة النازحين. لكن الأوضاع في بعض المعسكرات، مثل زمزم وأبو شوك حول مدينة الفاشر، تُعد من الأسوأ، خاصة بعد التصعيد الأخير في رمضان. فقد شنت مليشيا الجنجويد الأسبوع الماضي هجمات و حملات التطهير العرقي  على القرى والمناطق المحيطة بالفاشر، بدءًا من أبو زريقة وصولًا إلى القري الواقعة جنوب الفاشر في محلية دار السلام، مما أسفر عن عمليات قتل، و حرق، واختطاف، و نهب ممتلكات المواطنين علي قلتها، خاصة البهائم، وتهجير قسري، بينما تمكن بعض الناجين من الفرار إلى معسكر زمزم، الذي استقبلهم رغم معاناته القاسية أصلًا.

لا يمكن لمن لديه ضمير حي أن يتجاهل مأساة هؤلاء النازحين. فكيف لنا أن نجلس لموائد الإفطار العامرة بكل ما لذّ وطاب، بينما يعاني إخواننا هناك من الجوع والحصار؟ كيف يجد للطعام مذاقًا من يدرك أن هناك أطفالًا وعجزة يموتون أمام أعين ذويهم بسبب نقص الغذاء والدواء؟

في ظل هذه الأوضاع، وبعد الإفطار، وجدت نفسي أتابع البرنامج الوثائقي عُمران 5 من أرض السودان، الذي يقدمه الإعلامي سوار الذهب علي. هذا البرنامج يوثق جزءًا من المأساة الإنسانية التي يعيشها الشعب السوداني. رغم أنني شاهدت فقط ثلاث حلقات من أصل ثلاثين، إلا أن المشاهد التي رأيتها كانت كافية لتثير الألم والحزن، بل وتبكي كل صاحب ضمير.

رأينا في الحلقات الثلاث كيف تحولت العاصمة إلى مدينة أشباح، بيوت مهجورة كأنها لم تُسكن منذ عقود، ومؤسسات مدمرة ومحروقة. كما شاهدنا أوضاع النازحين المأساوية في شرق السودان، ومن بينها مشهد مؤلم لطفل يحتضر وهو يتلو القرآن الكريم، قبل أن يفارق الحياة في لحظة أدمت القلوب. كما فاجأ البرنامج المشاهدين بلحظة وداع حزينة لفتاة نازحة، لم يتجاوز عمرها 12 عامًا، توفيت بسبب نقص الغذاء والدواء، فقام فريق البرنامج بتشييع جثمانها والصلاة عليها ودفنها، لأن المساعدة لم تكن متاحة.

وفي مشهد آخر، ظهرت سيدة مسنة في حالة مرضية متأخرة، وعندما سألها مقدم البرنامج عن حالها، أجابت فقط بـ”الحمد لله”، علي رغم ذلك كانت أمنيتها  تسأل الله الشفاء حتي تكن قادرة على أداء صلواتها الخمسة، و هي لن تتناول الطعام لأكثر من أسبوعين وكانت تعيش على السوائل منذ 15 يومًا وفقًا لما ذكره ابنها.

عزيزي القارئ، هذه المشاهد ليست سوى جزء بسيط من ثلاث حلقات فقط، بينما تمتد المأساة عبر مناطق واسعة من السودان، وتشمل معسكرات اللاجئين السودانيين في شرقي تشاد وغيرها. وإذا قارنّا الأوضاع عند تصوير البرنامج بالحالة الراهنة، فلا شك أن الوضع اليوم أسوأ بكثير، حيث تستمر مليشيا الجنجويد في القصف المتعمد، والقتل، والحرق، والحصار، فضلًا عن استخدام سلاح الاغتصاب وتدمير المؤسسات الحيوية، وخاصة المستشفيات.

برنامج عُمران 5 يوثق حقيقة ما يتعرض له المدنيون العزل في السودان. إنه ليس مجرد مشاهد مؤلمة، بل شهادة حية على الجرائم التي ارتكبتها المليشيات الجنجويد بحق المدنيين العزل. ورغم أن البرنامج يكشف جزءًا فقط من الواقع، فإن ما خفي أعظم. إن الجرائم التي ارتكبتها مليشيا الجنجويد تفوق الوصف، ولم يشهد لها التاريخ المعاصر مثيلًا.

أنصحكم بمتابعة هذا البرنامج الوثائقي، رغم قساوة المشاهد، لأنها تعكس الحقيقة التي يجب أن نواجهها ونتعامل معها. كما يجب أن تكون هناك مساءلة للجنجويد المرتزقة و اعوانهم الذين عاثوا الأرض فسادا و دمار، فمهما طال الزمن، سيأتي يوم الحساب، وإن ظنوا أن العدالة بعيدة، فإنها أقرب مما يتصورون.

ورغم فداحة الكارثة، إلا أننا نرى بعض ضعاف النفوس يبيعون ضمائرهم ووطنهم مقابل دراهم إماراتية، متحالفين مع مليشيا الجنجويد، ليصبحوا شركاء في الدم ويتحملوا مسؤولية ما يتعرض له الشعب السوداني من مآسٍ وويلات. لكن التاريخ لن ينسى، وسيحملهم مسؤولية كل قطرة دم سالت، وسينالون جزاءهم عاجلًا أم آجلًا.

اللهم احفظ السودان وأهله، وسخر لهم من يعينهم في محنتهم العصيبة، ودمر أعداءهم من مليشيا الجنجويد وأعوانهم، إنك على كل شيء قدير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *