تشهد عدة ولايات سودانية انتشارًا مقلقًا لوباء الكوليرا، في ظل تدهور الأوضاع الصحية والمعيشية، وانهيار منظومة الصرف الصحي، واستمرار النزوح الداخلي الناتج عن الحرب المستمرة منذ أكثر من عام. وقد أعلنت وزارة الصحة الاتحادية تسجيل مئات الإصابات المؤكدة بالكوليرا خلال الأسابيع الماضية، مع ازدياد عدد الحالات في ولايات النيل الأبيض، سنار، القضارف، وكسلا، فضلاً عن ولايات دارفور التي تواجه شحًّا حادًّا في الخدمات الصحية الأساسية.
وأكدت الوزارة، في بيان رسمي صدر يوم الأحد، أن الفرق الطبية تكافح لاحتواء التفشي عبر دعم مراكز العزل وتوفير المحاليل الوريدية ومضادات الجفاف، إلا أن نقص الموارد والمستلزمات يعيق عمليات الاستجابة. كما أشارت إلى أن أكثر من 70% من الحالات المصابة تقع بين الأطفال وكبار السن، مع وجود تحديات في رصد الحالات بدقة بسبب انعدام شبكات الاتصالات وانهيار البنية التحتية الصحية في العديد من المناطق المنكوبة.
وفي السياق ذاته، أصدرت منظمة الصحة العالمية (WHO) بيانًا أعربت فيه عن قلقها البالغ من تسارع وتيرة انتشار الكوليرا في السودان، مشيرة إلى أن البلاد تواجه حاليًا واحدة من أسوأ موجات التفشي في تاريخها الحديث، نتيجة تراكم عوامل بيئية وصحية واجتماعية.
وأوضح التقرير الصادر عن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (OCHA) أن أكثر من 12 مليون شخص في السودان مهددون بالإصابة بالكوليرا والأمراض المنقولة بالمياه، وأن هناك حاجة ماسة لتدخلات عاجلة في مجالات المياه والنظافة والتوعية المجتمعية، خصوصًا في معسكرات النزوح ومناطق الريف المحرومة من الخدمات.
من جهته، دعا المدير العام لمنظمة أطباء بلا حدود (MSF) في السودان المجتمع الدولي إلى “التحرك الفوري وتقديم دعم طبي لوجستي واسع النطاق” للحد من انتشار الكوليرا، مؤكدًا أن فرقهم العاملة في ولايات النيل الأزرق ودارفور الكبرى تواجه حالات تفشي جماعي في ظل ظروف شبه مستحيلة.
وبحسب بيانات وزارة الصحة، فإن أكثر من 3 آلاف حالة يُشتبه بإصابتها بالكوليرا تم رصدها منذ مطلع أبريل، منها أكثر من 900 حالة مؤكدة مخبريًا، فيما تجاوز عدد الوفيات 120 حالة حتى تاريخه.
وتعود أسباب تفشي الوباء إلى عدة عوامل مجتمعة، أبرزها تلوث مصادر المياه، اختلاط مياه الصرف الصحي بمياه الشرب، انعدام حملات الرش والنظافة، وتكدس السكان في بيئات غير صحية بسبب النزوح القسري، خاصة في مناطق النزاع بوسط وغرب السودان.
ورغم المحاولات المحلية للتوعية، إلا أن غياب الحملات الإعلامية المنظمة، وصعوبة وصول الفرق الطبية والميدانية إلى بعض المناطق، ساهم في استفحال الأزمة. وحذّر خبراء صحة من أن عدم التدخل العاجل قد يؤدي إلى كارثة صحية تتجاوز نطاق الكوليرا لتشمل أوبئة أخرى مثل التيفوئيد والدوسنتاريا.
وطالبت لجنة الأطباء المركزية، في مذكرة عاجلة، بتفعيل آلية الطوارئ الصحية وفتح جسر إمداد طبي دولي عاجل لتزويد المستشفيات والمراكز الصحية بالمحاليل الوريدية، الكلور، ومضادات العدوى، بالإضافة إلى دعم الكوادر الطبية التي تعمل في ظروف قاسية وبدون حماية.
ودعا ناشطون في مجال الصحة العامة إلى ضرورة التنسيق مع منظمات مثل اليونيسيف والصليب الأحمر لتوسيع حملات التوعية والتلقيح في المجتمعات الأكثر تضررًا، وتوفير موارد كافية لعمليات الرصد والاستجابة المبكرة.
وتبقى الأزمة الصحية في السودان، وعلى رأسها تفشي الكوليرا، مؤشرًا خطيرًا على حجم التحديات التي تواجه البلاد في ظل الحرب المستمرة، والانهيار الشامل للخدمات، وغياب سلطة مركزية فعالة قادرة على حماية أرواح المواطنين من الأمراض القاتلة.
