اعتبر الدكتور أمجد فريد، المسؤول السابق في الحكومة الانتقالية بالسودان و رئيس مركز فكرة للدراسات التنموية، أنّ ما حدث في مدينة الفاشر خلال الأيام الماضية ليس حادثة معزولة، بل حلقة جديدة في ما وصفه بـ«حملة فظائع ممنهجة» يتعرض لها السودانيون منذ اندلاع الحرب الحالية، موجهاً انتقادات حادة للنخب السياسية المدنية، وللدور الإقليمي والدولي في إدارة الأزمة.
وقال د. أمجد، خلال استضافته في برنامج «بودكاست مروة» الذي تقدمه الإعلامية مروة خالد، إن الحرب في السودان «ليست هجوماً على الشعب فقط، بل هجوماً على الحقيقة نفسها»، متهماً أطرافاً سياسية سودانية بمحاولة «إعادة تعريف الخطاب السوداني والهوية السودانية» على نحو يُعيد إنتاج مشاريع سابقة فشلت، على حدّ تعبيره.
وأوضح أن الثورة السودانية في عام ٢٠١٨ شكّلت لحظة تاريخية فارقة، لكن الطبقة السياسية، بما فيها القوى التي تصدرت المشهد بعد سقوط النظام السابق، «لم تكن مؤهلة لالتقاط طموحات السودانيين»، ما قاد إلى انقلاب ٢٠٢١ ثم الانزلاق إلى الحرب الراهنة. وأضاف أن بعض القوى المدنية «تعاملت مع النضال السوداني كجائزة سياسية» تسمح لها باحتكار تمثيل البلاد وإعادة صياغتها وفق رؤيتها الخاصة.
وفي حديثه عن الدور الإقليمي، وجّه د. أمجد اتهامات مباشرة لدولة الإمارات العربية المتحدة، معتبراً أنها «فاعل رئيسي» في ما يجري بالسودان عبر الدعم السياسي والمالي والعسكري لقوى مسلحة داخل البلاد، وقال إن هذا النمط من التدخل ينسجم، بحسب رأيه، مع سياسات «استخراج الموارد» التي تطبّقها أبوظبي في عدد من دول الإقليم.
وانتقد ما وصفه بـ«تساهل» بعض العواصم الغربية مع هذا الدور، مشيراً إلى أن مصالح تجارية واقتصادية تجعل بعض الحكومات «تغضّ الطرف» عن تداعياته على الأمن والاستقرار في السودان والمنطقة، معتبراً أن ذلك يرقى إلى «التواطؤ» عندما يكون مقروناً بمعرفة مسبقة بحجم الانتهاكات على الأرض.
وعلى الصعيد الداخلي، شدد د. أمجد على أن الحرب الحالية ليست مجرد صراع على السلطة بين الجيش وقوة مسلحة موازية، بل «حرب بقاء» بالنسبة لملايين المدنيين، لافتاً إلى أن مواقف قطاعات واسعة من السودانيين المؤيدة للقوات المسلحة في هذه المرحلة تنطلق ـ بحسب وصفه ـ من «رفض شامل» لممارسات قوات الدعم السريع، أكثر من كونها تفويضاً مطلقاً للمؤسسة العسكرية.
وفي ما يتعلق بمسار التسوية، رفض د. أمجد أي مقاربة تقوم على «تقاسم السلطة» مع القوى المسلحة، محذراً من أن دمج تشكيلات عسكرية متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة في بنية الجيش النظامي «لن يؤدي إلى إصلاح المؤسسة العسكرية، بل إلى تسميمها من الداخل»، على حد قوله. لكنه في الوقت نفسه شدد على أن التفاوض ليس «كلمة محرّمة»، شرط أن يكون هدفه «إنهاء الوجود المؤسسي المسلح خارج إطار الدولة، وإرساء مسار واضح للمحاسبة وعدم الإفلات من العقاب».
وفي ختام الحوار، دعت الإعلامية مروة خالد مشاهديها، لا سيما من خارج السودان، إلى «التعمق في فهم ما يحدث في الفاشر وسائر مناطق البلاد»، مؤكدة أن تأثير المال السياسي والإقليمي «قد يمتد إلى الحكومات والمنظمات ووسائل الإعلام، لكنه لا يستطيع شراء وعي الشعوب»، على حد تعبيرها، مطالبةً بمزيد من التضامن الدولي مع ضحايا الانتهاكات ودعم الجهود الرامية إلى تحقيق العدالة للسودانيين.
