سقوط مشروع إحتلال السودان 

عز الدين زكريا عبدالشافع 

في بدايات  الحرب كانت مليشيا الإرهاب والارتزاق مليشيا الدعم السريع تسيطر على معظم ولايتي  الخرطوم والجزيرة وكذلك أجزاء من ولاية سنار والنيل الأزرق وكانت على بعد خطوات من القضارف ونهر النيل ، وكذلك ولايات دارفور الخمس بالكامل بإستثناء الفاشر الصمود وأجزاء من شمال دارفور ،  كانت لديها قوة ضاربة تستطيع أن تحقق الإنتصار في دقائق معدودة ، وهذا بسبب جهوزية القوة للحرب واعدادها المسبق مع حليفتها الامارات للسيطرة على البلاد وإعلان حكومة دقلو اخوان.

لكن وبفضل الله وبثبات القوات المسلحة السودانية واستراتيجية الضباط العظماء وقدرتهم على إمتصاص الصدمة وخططهم لقطع الإمداد وضرب الرؤوس استطاعت القوات المسلحة المحافظة على قواعدها العسكرية وفق مبدأ ان الانتشار لا يعني السيطرة وعملت مع القوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح على ضرب المناطق الحساسة للمليشيا وإستنزافهم يوما بعد يوم حيث تمكنوا من القضاء أولا على القادة الميدانيين البارزين في المليشيا وضرب القوة الصلبة وتشتيتها ، قوات النخبة العالية الجهوزية والتدريب وكان ذلك فارقا في سير العمليات فيما بعد .

كذلك قطع طرق الإمداد المهمة للمليشيا وأهمها طريق الصحراء حيث عملت القوات المشتركة لضرب المناطق الإستراتيجية واللوجستية للمليشيا ومهاجمة الفزع والإمدادات مما شكل فارقا كبيرا جدا تسببت في انهيار جزء كبير من قوة المليشيا.

هنالك أسباب عديدة أدت إلى انهيار هذه المنظومة الاحتلالية، من أبرزها:

الاستنزاف الكبير

مثّلت معارك الفاشر نقطة تحول محورية في سير العمليات العسكرية، حيث استطاعت المدينة الصمود لفترة لم تتوقعها الإمارات ولا غيرها. فقد سطّر أبطال الفاشر الشجعان ملاحم تاريخية وبطولات نادرة، كبدوا فيها العدو خسائر فادحة في أكثر من مئتي معركة. واستنزفت الفاشر قرابة نصف قوة المليشيا ومواردها، وسقط على أسوارها آلاف القتلى والمصابين، في مقدمتهم قادة بارزون، أمثال علي يعقوب جبريل، الذي شكّل مقتله فارقاً كبيراً في مسار المعارك.

كان علي يعقوب من أذكى القياديين في المليشيا، ويتمتع بخبرات قتالية كبيرة، وحنكة عسكرية، وذكاء ميداني. وكانت قيادة المليشيا قد أوكلت إليه مهمة إسقاط الفاشر، باعتباره الوحيد القادر على تنفيذها، لكن مع سقوطه، سقطت معه أوهام السيطرة على المدينة إلى الأبد. ومنذ مقتله، تحوّلت جميع معارك المليشيا إلى هجمات عشوائية غير مدروسة، انتهت كما هو معلوم بهزائم نكراء وهروب فوضوي (عريد).

كذلك، كان صهر قائد ثاني المليشيا، عبدالرحمن، المعروف بلقب “قرن شطة”، يتمتع بدعم غير محدود من والد زوجته، قائد ثاني المليشيا، الذي وفّر له كل المعدات العسكرية اللازمة لإسقاط الفاشر. لكن المدافعين عن المدينة كان لهم رأي آخر. لقد أثبتوا للعالم أن المعدات العسكرية قد تصنع فارقاً في بعض المعارك، لكنها ليست كل شيء؛ الفارق الحقيقي هو الثبات والدافع الوطني للقتال. ولذلك، كانت كل جولات قرن شطة في الهجوم على الفاشر فاشلة تماماً، بسبب بسالة وضراوة المدافعين، الذين أسقطوه قتيلاً في أسوارها، وتلاه بعد ذلك مئات الضباط والقادة البارزين في المليشيا.

فقدان القادة الميدانيين

فقدت المليشيا عدداً من قادتها الميدانيين البارزين والمؤثرين، أمثال اللواء علي يعقوب جبريل، الذي سقط بتاريخ 13 يونيو من العام الماضي، وعبدالمنعم شيريا، الذي سقط في 7 مايو بشمال كردفان، وعبدالرحمن البيشي، الذي قُتل في 20 يونيو في مناطق سنار، والجنرال طه عثمان مدلل، الذي سقط في يناير الماضي. كما فقدت رحمة مهدي، المعروف بـ”جلحة”، والذي سقط في 28 يناير، واللواء عبدالله حسين، قائد قوات المليشيا في ولاية الجزيرة، وصالح الزبدي، وآخرين كثر، على سبيل المثال لا الحصر.

هذا الاستنزاف القيادي أدى إلى تحول المليشيا من قوة منظمة إلى تشكيل عشوائي مفكك، يعمل دون تنسيق أو قيادة فعلية، بسبب الضربات الدقيقة التي استهدفتهم عبر الطائرات المسيّرة، أو من خلال ما يُعرف باستراتيجية “إسقاط الرؤوس”، أي تركيز الضربات الجوية على مواكب القيادات، كما حدث في الفاشر ضمن ما يُعرف بـ”الصيد الثمين”.

يُعد طه عثمان مدلل من أبرز القادة الذين فقدتهم المليشيا، وهو أيضاً صهر قائد ثاني المليشيا. وقد شكّل سقوطه في معارك دريشقي نقطة تحول عسكرية مهمة، نظراً لما كان يتمتع به من قدرات قيادية وخبرة ميدانية مؤثرة.

ومع سقوط “قرن شطة” و”طه عثمان مدلل”، لم يتبقَ من أصهار دقلو سوى المدعو “حذيفة قنستو”، الذي فرّ من الميدان ويقيم حالياً في دبي، مستمتعًا بأموال صهره. ويُعتبر والد حذيفة مسؤولاً مباشراً عن استنفار وتجنيد التشاديين لصالح المليشيا، وهو يتواجد حالياً بمدينة الجنينة و يتردد كثيرا الي مدينة دبي بدولة الامارات ، حيث يشغل منذ فترة طويلة منصب مسؤول ملف ما يُعرف بـ”التجمع العربي”. وقد قام مؤخراً بنقل أسرته إلى الإمارات خوفاً من الزحف القادم.

ويُعد صالح الزبدي، الذي قُتل في الخوي، من القادة العسكريين ذوي الحنكة والمعرفة الميدانية، نظراً لانخراطه سابقاً كمرتزق في معارك تشاد وأفريقيا الوسطى وليبيا. وكان بمثابة حلقة وصل مهمة بين المليشيا والمرتزقة القادمين من إفريقيا الوسطى. وبعد مقتله، لوحظت حالات فرار متتالية لعناصر مجموعته إلى داخل الأراضي الإفريقية. كما يُذكر أن الزبدي كان وراء الضغط على عبدالرحيم دقلو لتوطين قبائل أولاد بركة وأولاد موسى في وسط دارفور، ومنحهم الأراضي والحواكير على حساب أبناء الفور.

لقد تسبّب فقدان هذه القيادات الميدانية بخسارة فادحة للمليشيا، مما أدى إلى طردها من عدد من المناطق التي كانت تسيطر عليها، بما في ذلك مدينة ود مدني والعاصمة القومية.

ولم يتبقَ من قيادات المليشيا سوى الهاربين من الميدان، أمثال السافنا، وصالح الفوتي، وبلايل، وعلى رأسهم عبدالرحيم دقلو.

فقدان طرق الإمداد

في الحرب، يُعد خط الإمداد عاملاً رئيسياً بالغ الأهمية، نظراً للحاجة العاجلة إلى وسائل القتال، من سلاح وذخيرة، إلى دواء وطعام، بالإضافة إلى الجنود والعتاد. ولهذا، أولت الحكومة السودانية اهتماماً بالغاً بخطوط الإمداد باعتبارها عنق الزجاجة الذي يمكن عبره خنق المليشيا وشلّ قدرتها القتالية.

وقد نجح نسور القوات الجوية السودانية في تدمير معظم هذه الخطوط عبر ضربات محكمة ودقيقة، سواء على الحدود أو في المدن مثل نيالا، الجنينة، كبكابية وغيرها. كما أدت القوات المشتركة دوراً محورياً في ضرب خطوط الإمداد البرية، من خلال هجماتها المتواصلة على مناطق المالحة، العطرون، الزرق، دريشقي، حلف، ومو، مما أدى إلى تأمين الصحراء بالكامل، وقطع الطريق أمام أي إمداد عسكري قادم من دولة ليبيا. هذا التطور شكّل فارقاً حاسماً في القدرات القتالية للمليشيا، خاصة في المناطق البعيدة مثل الجزيرة والخرطوم، التي باتت معزولة عن الدعم اللوجستي.

ومن أبرز هذه العمليات، كانت “عملية عين الصقر”، التي أسفرت عن ضبط شحنة ضخمة من الإمدادات كانت في طريقها إلى المليشيا، وتضمنت طائرات مسيّرة، ومدافع، وذخائر، وقنابل ذكية شديدة التشظي والانفجار. كما أسفرت العملية عن القضاء على مرتزقة كولومبيين متخصصين في تشغيل الطائرات المسيّرة والمدفعية.

أما “عملية البرق الخاطف” في منطقة الزرق، فقد شكّلت نقطة تحول حاسمة، نظراً لتفكيك القاعدة العسكرية هناك، ووضعها تحت خط النار، الأمر الذي أدى إلى تحييدها بالكامل، وفقدانها لأهميتها الاستراتيجية.

فقدان القواعد العسكرية

هناك مقولة عسكرية معروفة تقول: “الانتشار لا يعني السيطرة”، لكن المحافظة على القواعد العسكرية، بالتوازي مع قطع خطوط إمداد العدو وفصل قواته – أي تحييد الفزع – يشكل فارقاً كبيراً. وهذا ما اعتمدته القوات المسلحة السودانية والقوات المشتركة، ونجحت في تنفيذه بشكل كامل، في الوقت الذي فقدت فيه المليشيا عدداً من قواعدها الرئيسية، مثل قاعدة قري العسكرية وقاعدة الصالحة.

تحولت قوات المليشيا إلى وحدات متنقلة لا تحافظ على مواقعها الثابتة، ما يعني أن أي هزيمة تتعرض لها تؤدي إلى تشتتها الكامل، لعدم وجود قواعد يمكن أن تعيد التجمع أو الاحتماء فيها عند اشتداد ضربات العدو. فالحرب كرّ وفرّ، وعند الفرار يجب أن يكون هناك مأوى تنطلق منه الهجمة التالية، وهو ما افتقدته المليشيا بعد فقدان قواعدها.

وعلى النقيض من ذلك، حين كانت المليشيا تسيطر على الخرطوم، تمكنت القوات المسلحة من الحفاظ على مواقعها الاستراتيجية، مثل سلاح المهندسين، القيادة العامة، منطقة الشجرة العسكرية، سلاح المدرعات، ووادي سيدنا. ومع نجاحها في قطع طرق الإمداد وطرق الفزع الخاصة بالمليشيا، جاءت هزيمة الأخيرة وانسحابها من الخرطوم سريعاً وحاسماً.

منطقة العطرون العسكرية

تُعد منطقة العطرون من المواقع العسكرية ذات الأهمية البالغة بالنسبة للمليشيا، وذلك بسبب موقعها الحدودي مع الولاية الشمالية، حيث تبعد عنها مسافة تُقدّر بـ350 كيلومتراً فقط. وتضم المنطقة مطاراً عسكرياً استخدمته المليشيا لتشغيل الطائرات المسيّرة، حيث انطلقت منها بعض المسيرات التي استهدفت مدينتي عطبرة والدبة، كما استخدمت لعمليات إنزال الإمدادات. إضافة إلى ذلك، تحتوي على منصات لإطلاق صواريخ مضادة للطيران، مما جعلها تمثل تهديداً مباشراً للولاية الشمالية.

السيطرة على العطرون من قبل القوات المشتركة شكّلت ضربة استراتيجية كبيرة للمليشيا، لأنها تعني فقدان نقطة ارتكاز عسكرية محورية، فضلاً عن وضع منطقة المالحة تحت خط النار لقربها من العطرون، حيث لا تبعد عنها سوى 200 كيلومتر تقريباً.

وقد تمكنت القوات المشتركة في المحور الشمالي الشرقي من تحرير منطقة العطرون، بفضل كفاءتها وخططها العسكرية المدروسة والمحكمة، ومعرفتها الدقيقة بجغرافية المنطقة. وكان من بين أبرز القادة الذين شاركوا في هذا الإنجاز: العقيد علي حامد، المقدم محي الدين يوسف بشر، المقدم المرضي علي مختار، القائد عبدالماجد، الجنرال عبداللطيف، والعقيد محمد دردي، إلى جانب نخبة من رجالات المعارك والملاحم والبطولات.

منطقة المالحة الاستراتيجية

تقع محلية المالحة في ولاية شمال دارفور، وسط جبال الميدوب، وتُعرف بأنها عاصمة الإقليم النوبي الغربي. تبعد حوالي 220 كيلومتراً عن مدينة الفاشر، وتتميز بموقع استراتيجي بالغ الأهمية، حيث تحدها:

• من الشمال: دولة ليبيا

• من الشرق: ولاية شمال كردفان

• من الشمال الشرقي: الولاية الشمالية

• من الغرب: محلية كتم ووادي هور العليا

• من الجنوب: محلية مليط

• من الجنوب الشرقي: محلية الكومة حتى مثلث أم قوزين

تتكوّن محلية المالحة من ثماني وحدات إدارية، هي:

المالحة، الحلف، جبل عيسى، ماريقا، أم بياضة، الحارة العطرون، أبو قران، عين بسارو، والمثلث.

تُعتبر المالحة من المناطق الاستراتيجية من الدرجة الأولى، لأنها تمثل حلقة وصل رئيسية بين الولاية الشمالية، كردفان، دارفور، وليبيا. كما أنها تشكل خط إمداد عسكري بالغ الأهمية للمليشيا، وسقوطها يعني حرمان المليشيا من أي دعم قادم من ليبيا، وبالتالي فرض حصار كامل عليها داخل كردفان ودارفور، دون إمداد ولا فزع. وسقوطها بات قريباً جداً بإذن الله.

النهود

تُعد مدينة النهود آخر نقطة حاسمة في مسار فك حصار الفاشر وتحريرها، وذلك لقربها الجغرافي من المدينة. فالسيطرة على النهود تعني وضع مناطق ود بندة، أم كدادة، بروش، والكومة في خط النار، بين مطرقة النهود وسندان الفاشر. ويمكن وصف هذا الوضع بما يُشبه عملية “فك الأسد”، وهو ما أشار إليه القائد مني أركو مناوي عندما قال إن وصول الجيش إلى أم كدادة يعني فك الحصار عن الفاشر، وإن “نساء الفاشر وحدهن قادرات على تنظيف المدينة التاريخية العريقة”.

ولهذا السبب، تسعى مليشيا الدعم السريع بكل ما أوتيت من قوة إلى منع القوات المشتركة ومتحرك الصياد من السيطرة على النهود، لأنها تدرك تماماً ما تعنيه النهود في موازين المعركة.

سقوط الدبيبات

تمكنت القوات المسلحة، عبر متحرك “الصياد”، إلى جانب القوات المشتركة ضمن متحرك “الشهيد الدكتور خليل إبراهيم”، من السيطرة على مدينة الدبيبات.

ويُعد سقوط الدبيبات بمثابة “كش ملك” بكل ما تحمله الكلمة من معنى، إذ يُمثل نقطة تحول عسكري واستراتيجي كبير وغير مسبوق في معارك كردفان. فالمدينة تُعد حلقة الوصل بين كادقلي والدلنج عبر طريق طيبة الاستراتيجي، كما تربط بين المدينتين ومدينة الأبيض، ما يعني عملياً فصل قوات ما يُعرف بـ”التأسيس” تماماً، ووضعها في نقطتين بعيدتين كل البعد: الأولى في كاودا، والثانية في دارفور، دون وجود أي خط ربط مباشر بينهما، إلا عبر حدود دولة جنوب السودان.

ويضاف إلى ذلك وقوع مناطق أبو زبد والفولة غرب مدينة الدبيبات، ووجود الخوي شمال شرقها، ما يجعل سقوط هذه المناطق لاحقاً مسألة وقت، ويمهّد الطريق أمام تقدم مباشر نحو الضعين والنهود. وهو تحدٍ كبير لم تواجهه المليشيا من قبل.

في الختام إننا متيقنون تماماً بأن أبطال القوات المسلحة والقوات المشتركة قادرون على تحقيق النصر، وتحرير كل شبر من أرض الوطن، وطرد المرتزقة الأجانب، كما قال الدكتور جبريل إبراهيم:

“سوف نطارد السودانيين منهم حتى يستسلموا، والأجانب حتى يقطعوا الحدود.”

وهذا النصر وشيك بإذن الله.

ويجب أن نتوقف أيضاً عند أخلاقيات الحرب التي التزمت بها قواتنا المسلحة و  المشتركة ، وكل التشكيلات التي شاركت في معارك الكرامة. هذا الالتزام تجلّى في معاملتهم للأسرى، وكفهم عن استهداف المناطق المكتظة بالسكان، الأمر الذي أكسبهم احترام وتأييد الشعب السوداني، والذي عبّر عن فرحته بانتصاراتهم في مقاطع مصورة انتشرت على وسائل الإعلام، وكان آخرها مشاهد الاحتفال التي خرج فيها مواطنو الصالحة والخوي في مسيرات فرح واعتزاز.

هذا يؤكد أن الالتزام بالأخلاق العسكرية هو جزء أساسي من تحقيق النصر. فلولا جرائم المليشيا ضد الأبرياء والعُزّل، لما سقطت سريعاً، حتى قبل أن تُهزم عسكرياً. ونهايتهم باتت قريبة بإذن الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *