شهدت الساحة السودانية أمس واحدًا من أكثر الخطابات إثارة وتفصيلًا منذ اندلاع الحرب، حيث وجّه القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح البرهان أول هجوم صريح ومباشر على دولة الإمارات العربية المتحدة، واتهمها بأنها “ثبت للعالم كله أنها تدعم المتمردين”، مؤكدًا أن وجودها ضمن الرباعية يجعلها “غير محايدة”.
وفي خطوة لافتة، صعّد البرهان كذلك ضد مبعوث الرئيس الأمريكي مسعد (مايك) بولس، متهمًا إياه بمحاولة فرض رؤى سياسية “تلغي الجيش وتحل الأجهزة الأمنية وتُبقي الهياكل الموازية” — لكن دون ربطه بملف دعم الدعم السريع — بل بملف “إعادة تشكيل الدولة السودانية بطريقة مرفوضة”.
الخطاب جاء مطوّلًا، وتناول فيه البرهان الأمن، والسياسة، والوساطات الدولية، وملف الإغاثة، وخارطة الطريق، ومستقبل الجيش، والموقف من القوى السياسية الداخلية والخارجية، مما جعله حديث المنصات السودانية خلال الساعات الماضية.
⸻
أولًا: هجوم غير مسبوق على الإمارات — “ثبت للعالم أنها تدعم المتمردين”
قال البرهان بلهجة غير مسبوقة:
“الإمارات ثبت للعالم أنها تدعم المتمردين. كيف تكون وسيط؟ وكيف نقبل رؤيتها؟”
وأكد أن مشاركة الإمارات في الرباعية “لا تجعلها مبرئة للذمة”، مضيفًا:
“ورقتها ورؤية وساطتها واضحة.. نحن ما بنقبلها.”
وربط البرهان رفضه لمبادرة الرباعية بوجود الإمارات تحديدًا، مؤكدًا أن السودان لا يقبل وسيطًا “منحازًا”.
⸻
ثانيًا: انتقاد مسعد بولس — ولكن في موضوع مختلف تمامًا
فصل البرهان بوضوح بين ملف الإمارات وملف المبعوث الأمريكي مسعد بولس.
لم يتهم بولس بدعم الدعم السريع، وإنما اتهمه بـ:
• طرح ورقة “تلغي وجود القوات المسلحة”
• الدعوة لحل الأجهزة الأمنية
• توطين المليشيا في مواقعها
• التحدث بلهجة “فرض شروط”
• محاولة إعادة تشكيل الدولة السودانية من الخارج
وقال البرهان:
“كلام بولس غريب.. يقول حل الأجهزة الأمنية والعسكرية! كلام ما في زول بيقبله.”
وأكد أن بولس “يكرر سرديات غير صحيحة عن الجيش”، منها رواية “سيطرة الإخوان المسلمين”، واصفًا إياها بأنها “فزاعة صنعتها أطراف خارجية”.
⸻
ثالثًا: موقفه من مليشيا الدعم السريع — لا تفاوض ولا سلام بوجودها
أكد البرهان أن أي حديث عن سلام لن يبدأ مطلقًا دون انسحاب مليشيا الدعم السريع من المدن المحتلة:
“السلام ما بشيل مليشيا.. الانسحاب شرط أساسي قبل أي وقف إطلاق النار.”
وعدّد المدن التي يجب أن تغادرها المليشيا:
• الفاشر
• الجنينة
• زالنجي
• مدن ولاية الخرطوم
• كل منطقة دخلتها المليشيا
وقال:
“ما دايرين نخزنهم لبكرة تاني يرجعوا يعملوا لينا كارثة جديدة.”
وأكد أن القوة العسكرية للمليشيا “تكسرت” وأن قادتها “انتهوا”.
⸻
رابعًا: خارطة الطريق السودانية — وثيقة غير قابلة للمساومة
قدّم البرهان تفاصيل دقيقة جدًا عن رؤيته للحل السياسي:
1. انسحاب فوري للمليشيا من المدن
2. تجميعها في مناطق محددة يتفق عليها مع الوسيط
3. عودة النازحين
4. إعادة الإعمار
5. تطبيع الحياة والخدمات
6. حوار سوداني–سوداني فقط
وأكد:
“ما في حل ثاني.. أي مبادرة غير هذه ما بنقبلها.”
⸻
خامسًا: رفض كامل لرواية “الإخوان المسلمين داخل الجيش”
وصف البرهان الرواية التي روّجت لها بعض الأطراف الدولية بأنها:
“كلام كذب.. ورونا الإخوان وين في الجيش.”
وأضاف:
“هذه فزاعة تُستخدم لتبرير مواقف سياسية ضد الجيش.”
⸻
سادسًا: حديث موسّع عن بدايات الحرب — “الجيش لم يبدأ الحرب”
قال البرهان إن الدعم السريع هو الذي بدأ الحرب عبر:
• الهجوم على مروي
• حصار القيادة
• الحشد المسبق
• التمدد الميداني
وقال:
“الجيش ما بدأ الحرب.. هم بدأوها وحسبوا حسابات غلط.”
وأكد أن الجيش استعاد زمام المبادرة بعد الأسابيع الأولى.
⸻
سابعًا: رسائل للقوى السياسية بالخارج — “لن تحكموا السودان من الخارج”
وجّه البرهان رسالة حادة إلى القوى السياسية المقيمة في الخارج:
“ما بتجوا تحكموا السودان تاني من برا. أي زول داير يحكم يجي يقعد هنا، ويشوف الحرب دي عملت شنو.”
وأضاف:
“الدعم السياسي للمتمردين من الخارج مرفوض.”
⸻
ثامنًا: ملف الإغاثة — “لا نمنعها.. هم الذين يتقاعسون”
فنّد البرهان اتهامات الأمم المتحدة والدول الغربية بأن الجيش يمنع الإغاثة:
“هذا كلام كذب. فتحنا كل المطارات.”
وذكر بالاسم:
• مطار الفاشر
• مطار كادوقلي
• مطار الأبيض
• مطار الدمازين
وقال:
“هم الذين لا يذهبون.. المجتمع الدولي تقاعس.”
كما كشف أن منظمات دخلت دارفور بدون تصديق، وقال إن الجيش “غض الطرف” لأن الهدف مساعدة المواطنين.
⸻
تاسعًا: نظرة إلى المستقبل — “حنستعيد دارفور وكردفان ونطردهم”
أكد البرهان أن:
• كردفان ستُستعاد
• دارفور ستُستعاد
• المناطق المحتلة ستعود
• الدعم السريع لن يكون جزءًا من مستقبل السودان
وقال:
“هذه معركة بقاء.. وربنا حينصرنا لأننا على حق.”
⸻
عاشرًا: رسالة أخيرة للوسطاء — “نرحب بالسلام.. لكن ليس سلامًا يُبقي المليشيا”
قال البرهان:
“الفرصة ما زالت أمام الوسطاء — بدون الإمارات.”
وأضاف:
“دايرين سلام يحفظ بلدنا، ما سلام يدي فرصة للمتمردين يكبروا تاني.”
⸻
تحليل أولي
يُعدّ هذا الخطاب الأكثر صراحة منذ ١٥ أبريل ٢٠٢٣، خاصة في:
• الاتهام المباشر للإمارات
• الرفض الحاد لورقة الرباعية الثانية
• وصف مسعد بولس بأنه يطرح حلولًا تلغي الجيش
• تثبيت شروط الجيش لأي وقف إطلاق نار
• إغلاق الباب أمام القوى السياسية بالخارج
الخطاب لاقى تفاعلًا واسعًا في الساحة السودانية لأنه — لأول مرة — كشف تفاصيل كانت تدور خلف الكواليس في مسار الرباعية والوساطة الدولية.
