صرخة من القلب : نجواة إلى أهل دار حمر وكردفان

بقلم د. عثمان الوجيه

يا أهل دار حمر، يا قومِي الأوفياء، أكتب إليكم اليوم وأنا أحمل في قلبي همًّا كبيرًا، خوفًا على أرضنا التي عشنا فيها وفيها أضرحة أجدادنا، وعلى تراثنا الذي ورثناه عنهم. إنني أشعر بوجع عميق وأنا أرى ما يحدث في بلادنا الحبيبة السودان وما يهدد وحدتنا وتماسكنا.

تذكرتُ بالأمس مقالًا مؤثرًا لأستاذنا الفاضل (حسين خوجلي)، والذي بكى فيه حسرًا على ما أصاب منطقته (رفاعة)، بكى (ود الشرفة) على دمار بيوتٍ بُنيت بأيدي أجدادنا، وعلى أرضٍ سُفكت عليها دماء أبنائنا. لقد أثر فيّ هذا المقال تأثيرًا بالغًا، وأيقظ في داخلي مخاوف على مستقبلنا ومستقبل أجيالنا القادمة.

إن ما يحدث في السودان اليوم ليس بالأمر الهين؛ فالحرب التي أشعلتها ميليشيا الدعم السريع المتمردة قد دمرت كل شيء جميل في بلادنا، وشردت الملايين من بيوتهم، وجعلت من السودان ساحة حرب لا تنتهي. وأنا أرى ما يحدث، أشعر بالغضب والحزن، وأتساءل: إلى متى سيستمر هذا الوضع؟ إلى متى ستظل دماء أبنائنا تسيل سدى؟

لكن ما زاد من قلقي هو ما سمعته عن بعض الخلافات التي بدأت تظهر بين قبائلنا في إقليم كردفان، وخاصة بعد بيان الأمير (منعم عبد القادر منعم منصور / وكيل إمارة عموم قبائل دار حمر) ردًا على فيديو ظهور (نظار بعض قبائل المسيرية). ظهور بعض نظار قبائل المسيرية مع قادة الميليشيا المتمردة وتهديدهم بدخول دار حمر أثار في نفسي مخاوف كبيرة؛ إن أي صدام بين أبناء الوطن الواحد سيكون له عواقب وخيمة وسيؤدي إلى مزيد من الدمار والخراب.

يا أهل دار حمر، يجب علينا أن نكون حذرين جدًا في هذه المرحلة الحرجة، يجب أن نتوحد صفوفنا، وأن نرفض أي محاولة لجرنا إلى صراعات لا فائدة منها. علينا أن نتذكر أننا جميعًا أبناء هذا الوطن، وأن مصيرنا واحد. إنني أطالبكم جميعًا بالعودة إلى صوت العقل والحكمة، وأن نعمل جميعًا من أجل مصلحة السودان. أطالب أهل المسيرية بالتفكير مليًا في عواقب أفعالهم، وأن يعودوا إلى رشدهم، وأناشد أهل كردفان بأكمله بعدم الانسياق وراء الإشاعات والفتن، وأن يبقوا متماسكين ومتحدين.

إنني أؤمن بأننا قادرون على تجاوز هذه المحنة، وأن نبني سودانًا جديدًا قويًا ومتحدًا، ولكن هذا لن يتحقق إلا إذا تكاتفنا جميعًا، وعملنا يدًا بيد من أجل تحقيق هذا الهدف النبيل. اللهم احفظ السودان وشعبه، وارحم شهداءنا، واشف جرحانا، ووفقنا لما فيه الخير والصلاح.

هنا تحضرني طرفة، فليسمح لي القارئ الحصيف بأن أوجزها في هذه المساحة وبهذه العجالة. قارئ الحصيف، أكتب إليك هذه السطور وأنا أحمل في قلبي جراح بلدي الحبيب السودان، الذي مزقته الحرب الأهلية وأشعلت نيران الفتنة في أرجائه. سأحكي لكم حكاية سودان، حكاية شعب عظيم يعاني من ويلات الحرب، وحكاية رجل سوداني يعيش بعيدًا عن وطنه، يتألم لألمه ويحاول أن يفهم أسباب هذه المأساة.

في يومٍ أسودٍ من أيام أبريل عام ألفين وثلاثة وعشرين، استيقظ السودان على وقع أصوات الرصاص والقنابل، فاندلعت الحرب الأهلية بين جيش البلاد ومليشيا الدعم السريع المتمردة. لم أصدق ما أرى وأسمع، فقد كان السودان بالنسبة لي جنة الله في الأرض، أرض النيل العظيم، أرض الحضارات العريقة. لم أغادر مقر إقامتي في الإسكندرية إلا بعد أسبوعين من اندلاع الحرب، فقد كنت مصدوماً مما يحدث لبلدي. وفي كل لحظة كنت أتذكر أهلي وأحبائي وأصدقائي وزملائي في السودان، وأتساءل عن مصيرهم.

كنت أتلقى اتصالات ورسائل من كل حدب وصوب، يعبرون لي عن حزنهم وألمهم على ما آلت إليه الأمور، وقد أعلنت الحداد على بلدي الحبيب، وتمنيت لو كنت هناك لأشاركهم آلامهم وأساعدهم. وبعد أن قررت الحكومة السودانية نقل العاصمة إلى بورتسودان، كتبت مقالاً حذرت فيه من استمرار الحرب، وقلت إن الجيش لن ينتصر على المليشيا المتمردة، وقد تعرضت لهجوم شديد بسبب هذا المقال. وسألني الكثيرون عن سبب تشاؤمي، ولكنني كنت على يقين من أن هذه الحرب ستدمر السودان، وأن المليشيا تسعى إلى تدمير كل مقومات الحياة فيه.

قلت لهم: إن قادة المليشيا يريدون إفراغ السودان من أهله، وجعله أرضاً خرابًا. والشاهد على ذلك أنهم بدأوا الحرب في الخرطوم، ثم انتقلوا إلى الولايات الوسطى الغنية، والآن هم يحاولون إشعال فتنة في ولايات كردفان، حتى يتمكنوا من السيطرة على غرب السودان بالكامل.

حقيقة أشعر باليأس والحزن عندما أرى ما يحدث لبلدي، ولكنني لست يائساً من المستقبل؛ فالشعب السوداني شعب عظيم، وسيخرج من هذه المحنة أقوى مما كان عليه. وأنا على يقين بأن الله سينصر الحق، وسيعيد إلى السودان أمنه واستقراره.

وعلى قول جدتي: “دقي يا مزيكا !!”.

خروج: “إلى أهل النهود: صوت العقل” .. أكتب إليكم وأنا أحمل في قلبي كل الحب والتقدير لأهل مدينة النهود. أعلم أنكم تمرون بظروف صعبة، وأن قلوبكم مليئة بالقلق والخوف طوال الساعات الماضية، ولكن، أرجوكم، حافظوا على هدوئكم، وتجنبوا الانسياق وراء الشائعات والأخبار الكاذبة.

للتو وصلني تسجيل صوتي للمتحدث المستنفر (حمد الصافي) من أحد أبناء أختي، والذي طمأنني قليلاً على الوضع، وهذا يدل على أن هناك من يعمل بجد لحفظ أمنكم واستقراركم. أدعوكم جميعاً إلى التكاتف والتعاون، وأن نثق في قيادتنا وأن نعمل جميعًا يداً واحدة لتجاوز هذه المحنة.

#أوقفوا_الحرب

ولن أزيد، والسلام ختام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *