الفاشر أولى من غزة

صلاح كبير – كاتب 

في الوقت الذي تصمد فيه مدينة الفاشر تحت الحصار، والجوع، والقصف، مدافعةً عن ما تبقّى من وحدة السودان، يظهر أمامنا مشهد يثير الكثير من التساؤلات: حشود جماهيرية، ونداءات غاضبة، وخطابات تملأ الفضاء تضامنًا مع غزة، بينما تغيب تمامًا تلك الأصوات عندما يتعلق الأمر بدموع بابنوسة، أو صرخات أبناء الفاشر.

لسنا ضد قضية غزة، فهي قضية إنسانية عادلة، وشعبها يرزح تحت عدوان متوحش منذ سنوات طويلة. ولكننا – وبكل وضوح – ضد نسيان أنفسنا، وضد من يتغافلون عن معاناة وطنهم، ليتحدثوا فقط بما تمليه عليهم أيديولوجيات خارجية، أو انتماءات حزبية منفصلة عن واقع الشعب السوداني وآلامه اليومية.

الفاشر اليوم ليست مجرد مدينة سودانية محاصرة، بل تمثل خط الدفاع الأول عن بقاء السودان كوطن موحد. من داخل شوارعها وأحيائها، يقاتل أبناؤها في جميع الجبهات: في دارفور، وكردفان، والخرطوم. لقد خاضوا أكثر من ٢٢٣ معركة حتى الآن، ومع ذلك، لم تسقط المدينة. حققت القوات النظامية، بمساندة أبنائها، انتصارات حقيقية ساهمت مباشرة في كبح جماح الانهيار الوطني.

ومع كل هذا، لم نرَ مسيرة واحدة خرجت تطالب بـ”فك الحصار عن الفاشر”، لم نسمع صوتًا إعلاميًا مؤثرًا يضغط على المجتمع الدولي لحماية المدنيين هناك، ولم تُقم صلاة جماعية واحدة في العاصمة تطالب بوقف القصف على هذه المدينة المنسية!

هل أصبحت أولويات الوطن مرهونة بمن يحتل الصدارة الإعلامية؟ وهل أصبحت العواطف تُستورد من خارج حدودنا، وتُوزّع وفق الميول الفكرية، لا بناءً على حجم المعاناة؟

إن السودان اليوم يعيش مأساة مركبة: تدخلات خارجية خبيثة، انقسام سياسي، شلل إداري، وتآكل في الثقة الوطنية. أما الأحزاب، فهي تتسابق لإعلان الولاء لقضايا بعيدة، بينما لا تُبدي أدنى اهتمام بمأساة اللاجئين في المخيمات، أو بحصار المدن السودانية، أو حتى بمسار العدالة الانتقالية وبناء الدولة.

وعليه، فإن ترتيب الأولويات الوطنية بات ضرورة ملحّة لا تحتمل التأجيل:

1. فك الحصار عن الفاشر، وبابنوسة، وكل المدن السودانية المتأثرة بالحرب.

2. توحيد الصف الوطني لمجابهة العدو الداخلي والخارجي.

3. إيصال المساعدات الإنسانية العاجلة للمحاصرين والمنكوبين.

4. معالجة الأزمة الاقتصادية، ومحاربة الفساد البنيوي الذي أنهك الدولة.

نحن لسنا ضد التضامن مع غزة، ولكننا ضد أن يتحول السودان إلى آخر الهموم لدى من يدّعون تمثيله، وضد أن يصبح أبناء السودان متفرجين على مآسيهم، بينما يتسابقون في التضامن مع غيرهم.

الختام:

يقول المثل السوداني: “النفس أغلى من الصاحب”.

فلا يمكن أن يكون الوفاء لغزة صادقًا، ما لم يكن الوفاء للفاشر حاضرًا أولًا.

الفاشر أولى، لأنها قلب الوطن النازف، ولأن من ينسى وطنه، لن ينفع غيره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *