مارين لوبان تزور تشاد للمرة الثانية وسط جدل سياسي واستقبال رسمي

وصلت مارين لوبان، زعيمة حزب التجمع الوطني الفرنسي اليميني المتطرف، إلى العاصمة التشادية نجامينا يوم 15 مارس 2025، في زيارة أثارت جدلًا واسعًا داخل الأوساط التشادية والفرنسية، خاصة بعد نقلها على متن الطائرة الرئاسية التشادية، وهو ما اعتبره مراقبون مؤشرًا على طبيعة العلاقات المتنامية بين لوبان والرئيس التشادي محمد إدريس ديبي إتنو وحكومته.

تُعد هذه الزيارة الثانية للوبان إلى تشاد، حيث كانت زيارتها الأولى عام 2017، لكنها حينها واجهت اتهامات من معارضين تشاديين بأنها تسعى للحصول على تمويل لحملتها الانتخابية، ووُصفت بالفاشية. أما في زيارتها الحالية، فقد قدمت نفسها كصديقة لتشاد، قائلة: “تشاد بلد صديق لفرنسا، ومن دواعي سروري دائمًا أن أزور الأصدقاء”. لكن هذه التصريحات لم تمنع التكهنات حول الأهداف الحقيقية لزيارتها في ظل التوترات التي تشهدها العلاقات الفرنسية التشادية بعد إنهاء اتفاقية التعاون العسكري بين البلدين.

زيارة لوبان في سياق التحولات السياسية في تشاد

تأتي زيارة لوبان إلى تشاد في وقت تشهد فيه البلاد تغييرات استراتيجية كبيرة. ففي 30 يناير 2025، انسحب الجيش الفرنسي رسميًا من تشاد بعد تسليم معسكر “كوسي”، آخر قاعدة عسكرية فرنسية في البلاد، إلى الجيش التشادي. وكان هذا الانسحاب نتيجة لقرار الرئيس ديبي إلغاء اتفاقية التعاون العسكري مع فرنسا، والتي اعتبر أنها أصبحت “من الماضي” ولا تتماشى مع المتغيرات السياسية والجيوستراتيجية الحالية.

يُنظر إلى إنهاء الاتفاقية كجزء من استراتيجية أوسع تتبعها تشاد لتقليل الاعتماد على النفوذ الفرنسي وتعزيز علاقاتها مع دول أخرى، لا سيما روسيا، التي بدأت في توطيد علاقاتها مع العديد من دول منطقة الساحل الأفريقي. وقد أثار هذا التحول تساؤلات حول طبيعة العلاقة الجديدة التي ستربط تشاد بفرنسا، خاصة بعد استقبال لوبان، التي تمثل تيارًا يمينيًا يعارض السياسات الفرنسية التقليدية في مستعمراتها السابقة.

جدل داخلي حول أهداف لوبان من الزيارة

أثارت زيارة لوبان ردود فعل متباينة داخل تشاد. فقد اعتبر بعض الصحفيين التشاديين أن استقبالها الرسمي يعكس توجّهًا جديدًا للحكومة التشادية، التي قد ترى في لوبان ورقة ضغط على باريس في ظل توتر العلاقات بين البلدين. بينما عبّر معارضون تشاديون عن استغرابهم من الحفاوة التي استقبلت بها لوبان، رغم مواقفها العدائية تجاه المهاجرين الأفارقة في فرنسا، متسائلين عن طبيعة المصالح المشتركة التي قد تجمعها بالرئيس ديبي.

في فرنسا، لم تمر الزيارة دون إثارة الجدل أيضًا. إذ تواجه لوبان محاكمة بتهم تتعلق باختلاس أموال عامة خلال فترة عملها في البرلمان الأوروبي، وهي قضية قد تؤدي إلى منعها من الترشح سياسيًا أو حتى الحكم عليها بالسجن. ويرى مراقبون أن زيارتها إلى تشاد قد تكون محاولة لتعزيز مكانتها الدولية أو لتأمين دعم سياسي واقتصادي يساعدها في تجاوز أزمتها القانونية في فرنسا.

التناقض في موقف لوبان من أفريقيا وتشاد

لطالما عُرفت لوبان بمواقفها المتشددة ضد المهاجرين الأفارقة في فرنسا، ودعواتها المتكررة للحد من الهجرة القادمة من مستعمرات فرنسا السابقة، بما في ذلك تشاد. ومع ذلك، فإن استقبالها الرسمي في نجامينا، ولقاءها بالرئيس التشادي، يثيران تساؤلات حول مدى اتساق موقفها، وما إذا كانت هذه الزيارة تمثل تحولًا في رؤيتها للقارة الأفريقية أم أنها مجرد محاولة لكسب تحالفات جديدة خارج أوروبا.

هل تسعى لوبان إلى تعزيز نفوذها في أفريقيا؟

بحسب محللين تشاديين، فإن زيارة لوبان قد تحمل أبعادًا استراتيجية تتعلق بمستقبل العلاقات الفرنسية التشادية، خاصة أن باريس فقدت الكثير من نفوذها التقليدي في أفريقيا خلال السنوات الأخيرة. ومن المحتمل أن تشاد بدورها ترى في لوبان شخصية سياسية يمكن أن تساعدها في إعادة صياغة علاقتها مع فرنسا على أسس جديدة بعيدًا عن السياسات الفرنسية التقليدية التي اعتُبرت لسنوات طويلة تدخلاً في الشؤون الداخلية لدول الساحل.

أما اقتصاديًا، فيشير بعض الخبراء إلى أن لوبان قد تسعى إلى تعزيز مصالحها الشخصية من خلال بناء علاقات مع الدول الأفريقية الغنية بالموارد الطبيعية، مثل تشاد، التي تمتلك احتياطيات نفطية مهمة وموقعًا استراتيجيًا في منطقة الساحل. ويطرح البعض تساؤلات حول ما إذا كانت زيارتها تهدف إلى تأمين استثمارات أو عقود تجارية مستقبلية، خصوصًا في ظل التراجع الاقتصادي الذي تشهده فرنسا وتزايد نفوذ القوى الدولية الأخرى في القارة.

ما الذي ستكشفه الأيام القادمة؟

حتى الآن، لم تصدر أي بيانات رسمية من الجانبين حول نتائج الزيارة، ولم يتم الإعلان عن أي اتفاقيات سياسية أو اقتصادية بين لوبان والحكومة التشادية. ومع ذلك، تبقى الأسئلة مفتوحة حول طبيعة المصالح التي جمعت الطرفين، وما إذا كانت هذه الزيارة ستؤدي إلى تحولات في العلاقات التشادية-الفرنسية. الأيام القادمة قد تكشف عن مزيد من التفاصيل حول أبعاد هذا اللقاء ودلالاته في سياق التغيرات السياسية التي تشهدها تشاد ومنطقة الساحل الأفريقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *