د.مصطفى شرف الدين – كاتب سوداني
استيقظت على رسالة واتساب من صديق أخبرني ، تمكن الصديق محمد كمبال من قفل صفحة الفتى العنصري عبدالرحمن عمسيب ، ولمن لايعرف كمبال ، فهو مهندس إقفال منافذ الجنجويد الاعلامية في هذه الحرب الكبيرة ، فتح الله عليه وجنبنا نحن السودانين المغلوب على أمرنا شر اعلام الجنجويد ، وهو شر لو تعلمون كبير
في رواندا الابادة قديما ، في أحد استوديوهات إذاعة RTLM، جلس فرديناند ناهيمانا، الأكاديمي والمثقف الذي تحول إلى مهندس إبادة، يراقب المذيعين وهم يبثون رسائل محشوة بالكراهية، يصنعون “عدواً” واضح المعالم، يسهل قتله بلا ندم. أما في السودان، في جغرافيا الحرب، نجد عبد الرحمن عمسيب، فتى مغمور يدعي ادعاءات مضحكة ويروي تاريخا ملفقا لدولة اسمها “النهر والبحر”، يُلقي خطاباً بعد آخر، يوزع صكوك الوطنية والخيانة، ويحوّل حرب السودان من نزاع على السلطة إلى صراع وجودي ضد “الآخر”. في كلا الحالين، نحن أمام رجال فهموا أن الحرب تبدأ بالكلمة، وأن الدم يحتاج إلى دعاية.
المثقف القاتل: ناهيمانا والإبادة كمنتج إعلامي
لم يكن فرديناند ناهيمانا مجرد محرض بسيط في الإذاعة، بل كان رجلاً أكاديمياً، أستاذاً جامعياً في التاريخ، شخصاً يمكن أن تلتقيه في مؤتمر أكاديمي يناقش “ذاكرة المجتمعات الإفريقية”، ثم تجده في اليوم التالي ينسّق خطاباً إعلامياً يدعو إلى قتل التوتسي و”تطهير” الوطن منهم. لعب ناهيمانا دوره داخل ماكينة القتل بذكاء: لم يكن قاتلاً مباشراً يحمل سكيناً، لكنه صنع “السياق”، جعل القتل طبيعياً، مبرراً، بل واجباً وطنياً.
إذاعة RTLM لم تكن مجرد وسيلة إعلام، بل كانت غرفة عمليات نفسية متكاملة: حددت “العدو”، كرست صورة التوتسي كخطر وجودي، وشرعنت أي فعل ضدهم. والأهم، أنها قدمت التبرير النفسي للمجازر: حين يسمع القاتل على الراديو أن التوتسي “صراصير”، فإن قتله يصبح مهمة تنظيف، لا جريمة. هنا، تظهر خطورة الإعلام حين يتحول إلى أداة حرب ، بعد الإبادة، لم تستطع المحاكم الدولية تبرير الإفلات من العقاب تحت ذريعة “حرية التعبير”. أدين ناهيمانا بجرائم ضد الإنسانية، وسُجن، لكنه لم يكن وحيداً في هذا النمط.
هذا النموذج نفسه تكرر في السودان، لكن مع اختلاف السياق والنتائج ، قبل الحرب نشطت آلاف الحسابات في الفضاء الأزرق، فجأة صار هنالك آلاف المهمشين النبلاء تحت لواء حميدتي ، المستعدين للقضاء على الجلابة الاشرار ، صنعت أموال حميدتي وحدات شفشفة ثقافية استولت على تنظيرات مفكرين سودانيين ، وظفت وحدات الشفاشفة الثقافية الإلكترونية في الفيسبوك وكلب هاوس وتيكتوك قدراتها، مما خلق جو نفسي مريح لشفشافة البنادق ..
عمسيب: الإعلام في خدمة الحرب السودانية
إذا كان ناهيمانا أحد وجوه الإعلام في إبادة التوتسي، فإن عبد الرحمن عمسيب هو النموذج السوداني المنتظر ، ايدلوجيا النهر والبحر فقيرة وكسيحة متخلفة كتنظير ، ترقى لدرجة الضحك احيانا ، بل والشفقة في احيان كثيرة كطرح ، عمسيب مشروع مخابراتي مصنوع بعناية ، يعمل بدأب لنشر الكراهية والعنصرية بلغة مخادعة ، منظر النهر والبحر لا يستطيع أن يصمد أمام أي قارئ جيد أو متوسط للتاريخ ،
أخطر ما يفعله عمسيب لم يكن في التحريض والنيل بخبث من بعض المكونات ، بل في صناعة الرواية البديلة، تلك التي تجعل سودانات عديدة بمشاعر مختلطة من الكراهية . وهذا يشبه تماماً ما فعله ناهيمانا: لم يكن يطلب من المستمعين قتل التوتسي صراحةً، لكنه كان يقول لهم إنهم “مشروع خطر”، وإن التخلص منهم سيحمي الوطن.
في المحصلة، يتشابه ناهيمانا وعمسيب في فهمهم العميق لدور الإعلام في الحروب الحديثة. الأول صنع إذاعة لم تكن مجرد ناقل أخبار، بل مصنع كراهية حقيقي أدى إلى إبادة جماعية. والثاني صنع سردية حرب أفرغت السودان من أي احتمال لمستقبل مشترك. ناهيمانا حُوكم وسُجن، بينما لا يزال عمسيب في المشهد، لأن السودان، بعكس رواندا، لم يصل بعد إلى لحظة الحساب. في لحظة الحساب التي تبدو وشيكة .
