السودانيون… إلى أين نحن ذاهبون؟

آدم ابكر ناير – كاتب 

في كل صباح، نصحو على وطنٍ يتسرب من بين أصابعنا، كما يتسرب الماء من كفٍّ مثقوب

من ينظر إلى السودان اليوم، لا يحتاج إلى عدسة تحليلية معقدة ليدرك أن الوضع يمضي من سيئ إلى أسوأ، بخطى ثابتة منذ فجر الاستقلال إلى يومنا هذا. بلدٌ غني بالموارد، فريد بالتنوع، عظيم بالثقافة، لكنه يعاني من قيادة فاشلة، ومنهج مختل، وانقسام مزمن في الهوية الوطنية.

ما عرفنا بعد طعم دولة حقيقية تحتضن شعبها. ما لمسنا وجود مشروع وطني صادق يحمل همّ المواطن، ويبني مستقبلاً يليق بتضحيات الأجيال. مضينا من انقلاب إلى آخر، ومن وعود جوفاء إلى خيبات جديدة، حتى فقد المواطن السوداني “شهية الوطن”  لا لأنّه عديم الانتماء، بل لأنه لم يجد من ينتمي إليه.

فقدان شهية الوطن

السوداني اليوم يبحث عن وطن بديل، وطن يُقدّر آدميته، ويحترم جهده، ويضمن له الحد الأدنى من الكرامة. والأسوأ من ذلك، أن بعضهم بات يلعن وطنه، لا كفراً به، بل ألماً من خذلانه، وإحساساً مريراً بالغربة داخل ترابه.

نعم، هناك من خانوا الوطن… لكنهم لم يكونوا من عامة الناس. كثيرٌ منهم سياسيون، وأصحاب مناصب، وتجار شعارات، باعوا ضمائرهم ومصالح شعبهم من أجل النفوذ والمال. باعوا الوطن في سوق العمالة، وتورطوا في الارتهان للخارج دون خجل أو حساب.

أزمة وطن… أم أزمة منهج؟

الحقيقة أننا نعيش أزمة مزدوجة:

1_ أزمة وطنية عميقة، تظهر في غياب الإحساس الجمعي بالانتماء، وفي تقديم الانتماءات الضيقة — حزبية، قبلية، جهوية — على الانتماء للوطن.

2_ أزمة منهج أشد خطورة، تتمثل في تعليم لا يزرع الوطنية، وإعلام يُضلل بدل أن ينوّر، وقوانين عاجزة عن محاسبة المجرمين، وفكر عام يحتفي بالفاسد بدل أن ينبذه.

في بلدانٍ كثيرة، تُغرس الوطنية في عروق الأطفال منذ أول يوم في المدرسة. هناك، من يخون الوطن يُحاكم، ومن يفشل في وعوده يُحاسب. أما عندنا، فالفاسد “شاطر”، واللص “فهمان”، والمنافق “ذكي”. بل يُكافأ أحيانًا بمنصب جديد أو حصانة إضافية!

أين نحن الآن؟

نحن في قاع أزمة حقيقية، ندفع فيها ثمن عقود من التخلف والتراخي. مجتمعٌ لا يُحاسب ساسته، وساسة لا يحترمون شعبهم. كل طرف يعيد إنتاج الآخر في دائرة من الخذلان والفساد. والنتيجة: وطن بلا هيبة، ومواطن بلا أمل، ومؤسسات بلا فعالية.

ولكن… لا يزال هناك أمل.

ما العمل؟ وما الطريق؟

الطريق يبدأ من ثورة وعي:

* إصلاح حقيقي للمناهج التربوية، لتغرس حب الوطن لا الخضوع.

* إعلام وطني مسؤول يرفع وعي الناس لا يضللهم.

* قانون صارم يُحاسب الجميع بلا استثناء.

* نخب سياسية تؤمن بأن القيادة خدمة لا غنيمة.

* ومجتمع يعيد تعريف البطولة، لا بمن يسرق وينجو، بل بمن يخدم ويصدق.

في الختام…

الوطن ليس فندقاً نغادره حين تسوء الخدمة، وليس مجرد بطاقة هوية نحملها. الوطن كالأم، إن مرضت لا نهجرها، بل نبحث لها عن دواء.

إن غاب الوطن، غاب كل شيء… كمن فقد والديه ولم يجد بعدهما دفئاً ولا سنداً .

فلنستيقظ… فالوطن ينادي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *