بقلم د.محمد علي حسين شرف الدين عبدالشافع
كاتب و باحث سوداني

من دون الخوض في تفاصيل إختفاء الزعيم الروحي لآل دقلو المدعو محمد حمدان حميدتي الذي ظهر في السودان غريبا ، ثم إختفى بعد أن أشعل فيه حربا ضروسا قضت على الأخضر واليابس وأثخن جراحا لا تندمل في قلوب أبناء السودان . ومن دون أن أخوض في التداعيات والحيثيات التي تركت ضبابية في العقول من جراء إختفائه المفاجيء وكذلك ظهوره المفاجيء لطالما تحدث عن هذا الحدث مئات القراء والكتاب والمفكرين بخاصة بعد خطابه الأخير ..
فقد ذهب الناس مذاهب شتى لتفسير هذا اللغز ، فمنهم من إعتبر ظهوره مجرد أكذوبة إلكترونية حبكتها هندسة الذكاء الصناعي وكثيرون من لا يعرفون ما هو الذكاء الصناعي بمن فيهم شخصي الضعيف ، وبعضهم إعتقدوا أن هناك رجلا شبيها بحمدتي هو من يأتون به ليتحدث نيابة عن حميدتي المتوفى فالله يخلق من الشبه أربعين ومنهم من ذهب في إعتقاد أن آل دقلوا أسرة من الغيلان والبعاعيت الذين لهم خاصية العودة إلى الحياة من بعد الموت . فهذا حمدتي الذي مات يقينا قد قام من قبره ويخاطب الناس من مكان مجهول .. تخيل أيها القاريء الكريم كل هذه الهرطقات والخرافات قالها الناس من زوايا مختلفة في حق الرجل الغريب الذي كان ظهوره في السودان أمرا غريبا وإختفاؤه غريبا وظهوره للمرة الثانية كان أكثر غرابة .
فلا أجد ضرورة لأستعيد إلى أذهانكم مرة أخرى شريط ذلك الحديث القديم الذي تحدث به الناس في صياغ جديد ، فقد كان الحديث يندرج من أدنى الترهات والأساطير الخرافية المتخلفة إلى أقصى الخيالات العلمية المتطرفة القريبة من الخرافات ..
فدعوني أعرج بكم في خط آخر لم يخطر على بال أحد منهم إلا أنه خط قديم .
في البدء أرديكم أولا أن تعلموا أن في أذهاننا مساحات وفجوات مظلمة لا يملأها إلا الأيمان والإعتقاد وتصديق بعض الأحوال الغيبية بصرف النظر عن منطقية ومعقولية تلك المعتقدات .
فقد كنتم تذكرون أن غلاما إسمه محمد بن الحسن العسكري كانت طائفة من الشيعة تعتقد أنه المهدي المنتظر أو الإمام الخاتم منذ أن ولدته أمه . يقال أنه كان طفلا عندما دخل به حمار في مغارة موحشة ولم يخرج منها ، وكان ذلك الحدث قد حدث قبل ثمان عشرة قرنا أو يزيد .
هذه مسألة عادية يمكن أن تتكرر في أي وقت وهناك إحتمالات كثيرة منها ربما إلتهمته السباع التي كانت تكثر في تلك الأماكن الوعرة او وقع بحماره في مغارة أخرى في بطن المغارة الاولى .
ولكن ظل هنالك طائفة غريبة تسمى بالشيعة الإمامية تعتقد بأن الغلام الذي هو الإمام الثاني عشر لم يمت وإنما إختفى ليظهر في ميقاته فهو خاتم الأئمة وإنه المهدي المنتظر الذي سيأتي في آخر الزمان ليملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا فظل أتباع هذه الملة ينتظرونه ولا يقدمون في صلواتهم المفروضة إماما ليصلي بهم بزعم أن الإمام غائب ينتظرون عودته مهما طال الزمان او قصر ولا يجوز لأحد من عامة الناس أن ينوبه حتى في الصلاة .
هذه الفكرة وجدت رواجا في كثير من بقاع العالم منها دول آسيا وفي افريقيا منها السودان القديم ودول غرب وشمال غربي افريقيا فأصبح الناس يترقبون ظهور الإمام المهدي المنتظر .. مثلما ان بعض الملل تنتظر ظهور المسيح عيسى بن مريم .
ففي منتصف القرن التاسع عشر وجد السيد محمد أحمد بن عبدالله الفولاني السوداني الذي من أصول سنغالية وجد الفرصة مواتية ليدعي المهدية فزعم إنه المهدي المنتظر حتى صدقه الآلاف وأتبعوه فلم يلبث أن أعلن بثورة عارمة ضد الإستعمار التركي في السودان حتى تمكن من إحراز النصر وطرد الأتراك من السودان إلا أنه بهذا النصر ترك فجوة واسعة للإستعمار الأوروبي الغربي ليحتل السودان ذلك الإستعمار الذي قضى على السلطة المهدية في السودان .
إلا أن فكرة المهدية ظلت تعشعش في عقول البعض إلى يومنا هذا . وكان حفيده المثقف الذي تخرج من جامعة أكسفورد التي كانت من ارقى جامعات الغرب بعد ان أصبح يقنع الناس بصحة فكرة المهدية وأن جده هو المهدي وخلع على نفسه لقب الإمام بينما الإمام الغائب هو الإمام الأخير في تقدير أتباعه فإذا كان جده هو الإمام فلا مكان لإمام ثالث عشر إلا أنه ظل إماما لطائفة الأنصار في السودان حتى توفاه الأجل وكذلك كان والده الصديق وحده عبدالرحمن يتوارثون الإمامية على الرغم من أن هذا التوارث ينسف فكرة المهدي المنتظر من أولها لأخرها .
حتى لا أطيل في السرد دعونا نعرج لصلب الموضوع فإن الشاب محمد حمدان دقلو ( حميدتي) ربما تمكن من إقناع اتباعه بأنه الإمام الغائب المهدي المنتظر بعد أن فضح أمر الإمام محمد أحمد المهدي وخمد صيته خاصة بعد وفاة حفيده السيد الصادق المهدي .. .
صحيح أن الذين تبعوا حميدتي كان أغلبهم من المجرمين الفسقة والجهلاء المدفوعين بدوافع المكاسب والمغانم فلم يتمكن حميدتي على حسب الزعم ان يثنيهم عن رغباتهم على الرغم من ان هذا التوجه ليس بالتوجه الذي جاء من اجله ..
وجد حميدتي من الأنسب ان يترك هؤلاء المجرمين المندسين في صفوف قواته أن يفعلوا ما يشاءون وأخيرا يواجهوا الجيش السوداني وكتائب أبناء الشعب ليموتوا في تلك الحروب حطبا لنار الحروب . فمات جلهم في تلك الحروب ولن يبقى منهم إلا العدد القليل ، وفي تقدير المعتقدين بمهدية حمدتي إن موت الجانجاويد بهذه الصورة المخزية ليست هزيمة لهم ولمهديتهم المزعومة وإنما هي بمثابة تنقية وتصفية وتخليص صفوفهم من أصحاب الغرض العارض وأرباب الهوى حتى لا يبقى بينهم إلا الجنود الأوفياء الأتقياء المخلصين الأصفياء الذين يتراءى لهم القوم المجرمين بعلامات متميزة لا يراها إلا الصالحون فيقضون على الكفرة والفجرة فهم يعتقدون أن الحرب القائمة الآن في هذه المرحلة حرب لتطهير صفوفهم من الدخلاء الجانجاويد وأما الحرب في المرحلة القادمة هي حرب لتطهير السودان من الرجس والظلم .
لهذه الإعتقادات إختفى حميدتي للمرة الثانية لمدة ثمان عشر شهرا بعد أن كان مختفيا في المغارة لمدة تقرب من ثمان عشرة قرنا .
ولكن السؤال أين حماره الذي دخل معه المغارة إذا كان هو المهدي المنتظر ؟ وكان الجواب عند بعضهم ان الحمار مثله مثل كلب اهل الكهف الذي كان نائما مع أصحابه في الكهف إلا إنه لم يخرج معهم فقد تركوه نائما في سباته ربما يظل نائما إلى يوم يبعثون ..
هذه الإجابة غير مقنعة بالنسبة لي أظل أردد السؤال أين الحمار الذي دخل معك المغارة يا حميدتي حتى نصدقك إنك أنت محمد بن الحسن العسكري الذي غاب قبل أكثر من ثمانية عشر قرنا فنتبعك ونكون اول من آمن بك من أنصارك .. أين تركت الحمار يا حميدتي أم أكله ذئب يوسف المزعوم ؟؟
أعتقد أن مثل هذا التفكير الغريب الساذج المضحك ما زال الدافع الذي يحرك بعضهم ليتهافتوا إلى السودان كتهافت الفراشات الحمقى للنار الملتهبة ليلقوا حتفهم فيها .
فقد قابلت أحدهم في الخرطوم بمحض الصدفة أثناء خروجي منها طريدا خائفا وكان الذي قابلته رجلا شيخا وخض الشيب برأسه تبدو عليه سيماء الوقار كان معلقا على رقبته عقد من سبحة خشبية وفي وجهه غرة الصلاة ظاهرة ولا يبدو عليه أنه واحد من المجرمين .. تجاذب معي ذلك الرجل أطراف الحديث وكان يريد أن يقنعني أنه ما جاءوا إلى السودان إلا لينشروا العدل ويحاربوا الظلم فضحكت من كلامه الغريب على الرغم من خطورة الموقف ، وسألته أنت رجل مسن في السبعينات من العمر تقطع مسافة مئات الكيلومترات من تشاد او مالي أو النيجر وتأتي إلى السودان لتغتصب طفلة في عمر حفيدتك أو أصغر منها وتنهب أموال الناس وتطرد المساكين الأبرياء مثلي من بيوتهم وتزعم أنك جئت هنا لتنشر العدالة وتحارب الظلم ؟ كانت المفاجأة أن عيني الرجل قد إغرورقتا بالدموع وقال لي يا أخي الله وحده من يعلم ما في القلوب أسال الله أن يصفي من بيننا أولئك المتفلتين المجرمين الذين أساءوا سمعتنا وشوهوا تاريخنا حتى لتعلموا أننا ما جئنا إلا لنصرة الحق . قلت وماذا لو قتلت قبل أن ينتصر الحق الذي تزعمه فنظر إلي مليا وقال
إذا أنا قتيل في سبيل الله .. أنا شهيد ثم أردف قائلا أعتقد يا أخي أنني ألقى الله ربي في مقبل الأيام القريبة . فقلت كيف عرفت ذلك ؟ قال ؛ لأنني قد حلمت بذلك . ثم لم يلبث أن مد إلي يده ليودعني فودعته فأنصرف عني من دون ان ينطق بكلمة أخرى .. وكان في معيته بضعة شباب مدججين بالسلاح يحيطون به إحاطة السوار بالمعصم من بينهم إبنه وإبن أخيه وإبن أخته هذا الرجل إسمه موسى.. ولم اعرف عنه أكثر من ذلك ..
هذا ما وجدته وما سمعته والله على ما أقول شهيد .. وهذا الموقف جعلني أعتقد جازما أن حميدتي يلعب دور المهدي المنتظر ليجلب معه آلاف السذج مثل هذا الشيخ الوقور الذين يرغبون تطهير أنفسهم من الذنوب عن طريق الجهاد في سبيل الله.. في سبيل الحق والعدل.. فالمعركة لم تبتديء بعد .. وعندما تحدث حميدتي في حديثه الأخير نحن ننتقل من المرحلة ( أ ) إلى المرحلة ( ب ) تذكرت حديث ذلك الرجل .. هكذا يصبح الإيمان بالجهل مضيعة للإنسان . أسال الله أن يهدي صاحبي موسى سواء السبيل إنه كان مؤمنا صادق القلب .
