بقلم/ حسين بَقَيرة -المملكة المتحدة
وعد قائد المليشيا حميدتي الناس بخطاب على صفحته على منصة X، وانتظره رواد وسائل التواصل الاجتماعي لساعات. بدا الأمر وكأن “المرحوم” حميدتي يعمل بتوقيت مختلف، ولمَ لا، فكل الدلائل تشير إلى “وفاته”، مما قد يجعله يتعامل بتوقيت جهنمي، كما قال الله تعالى: “في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون”.
ظهر حميدتي في الخطاب مرتبكًا، مهزومًا، ذليلًا، ومنكسرًا، وكأنه لم يتوقف عن البكاء لفترة طويلة بسبب خسائره المتتالية التي تقوده إلى الهاوية. فقد خسر الجميع، بدءًا من جنوده، مرورًا بجناحه السياسي (تقدّم) ومرتزقته، وصولًا إلى أصدقائه وكفلائه من دويلة الشر (الإمارات). ولأول مرة، يعترف حميدتي بأن من أوقعوه في هذه الورطة هم عناصر قوى الحرية والتغيير (قحت) المركزي، الذين تراجعوا خجلًا وغيروا اسمهم إلى “تقدّم”، وخاصة مهندسي الاتفاق الإطاري. وكشف أن ياسر عرمان هو مستشاره الأول، مشيرًا إلى أنه رفض الاتفاق الإطاري خوفًا من أن يؤدي إلى الحرب، لكن عرمان أقنعه بالتوقيع عليه دون أن يبالي. هذا الاعتراف يكشف من يقف خلف هذه الحرب ومن خطط لها، ويفند الاتهامات التي ألقيت على “الكيزان”، ورغم مساوئهم، يبرئهم هذا الخطاب، مؤكدًا أن المزاعم السابقة كانت مجرد أكاذيب صنعها جناحه السياسي “تقدّم” لإيجاد مبررات لخطة دمرت البلاد.
حميدتي، بنفاقه وكذبه المعتاد، حاول التخفيف من آلام الهزائم والتبرؤ من مجرمي مليشيا الدعم السريع الإرهابية، المعروفين باسم “الشفشافة”. كلنا نعلم أن “الشفشافة” هو مصطلح تطور من “أم باغة”، الذي كان يُستخدم في دارفور منذ عقود للإشارة إلى المسلحين الذين يركبون ظهور الخيل ويربطون جِرَكانات مليئة بالحجارة، لإحداث ضجيج يرهب سكان القرى وينذر بنهبها وحرقها. والآن تغير اسمهم إلى “الشفشافة”، وتغيرت وسائل تنقلهم إلى سيارات دفع رباعي ودراجات نارية. لذا، فإن محاولة حميدتي اليائسة لن تمنحه صك الغفران ولن تعفيه من جرائمهم، وسيحاسب على ذلك. فهو من أمر بتسليحهم وأطلق الآلاف منهم من السجون في بداية الحرب، وكان من بينهم قائد الميداني الحالي للمليشيا علي رزق الله، الملقب بـ”سافانا”.
هذا الخطاب كان بمثابة النداء الأخير لقائد المليشيا وإعلانًا لنهايته، حيث صرخ مستنجدًا بأفراده الذين فرّوا، طالبًا منهم إبلاغ الوحدات فورًا، غافلًا عن حقيقة أن معظم جنوده المرتزقة قد هلكوا أو فرّوا خوفًا من الموت. يبدو أنه يأس منهم، كما يأس الكفار من أهل القبور. فلا حياة لمن ينادي. حميدتي، الذي وصل إلى مرحلة اليأس، وصف جنوده بالنساء، قائلاً إن من لا يستجيب لندائه فليبقَ مع أخواته، في تقليل واضح من شأن المرأة. هذا الموقف يعكس تناقضًا صارخًا مع مبادئ جناحه السياسي “تقدّم”، الذي يزعم دعمه لحقوق المرأة، مما يؤكد أن الانشقاق بين الطرفين بات وشيكًا، إن لم يكن قد حدث فعلاً.
ومن علامات الهزيمة الكبري والندم على ما حدث له، زعمه أن جنوده في الفاشر يدافعون عن أنفسهم، وكأنه يعيش في عالم آخر. فقد شهد العالم قصفًا متعمدًا لمدينة الفاشر من قبل مليشيا الدعم السريع الإرهابية باستخدام الطائرات المسيّرة والمدفعية الثقيلة والأسلحة المحرمة دوليًا، ولا يزال القصف مستمرًا حتى هذه اللحظة، مع دخول حصار المدينة شهره السادس. الأدلة على الهجوم الإرهابي لمليشيا الدعم السريع على الفاشر واضحة وضوح الشمس، حيث لقي معظم قادتها حتفهم على أيدي أبطال “فاشر السلطان”. تكفي هذه الحقائق لدحض افتراء حميدتي بأنه يدافع عن نفسه في الفاشر.
إن خطاب حميدتي الذي بدأ بكل غباء بمزاعم كشفت الكثير، ادعى فيه أن حرب 15/04/2023 كانت انقلابًا قاده الرئيس عبد الفتاح البرهان. لأول مرة في التاريخ نسمع أن رئيسًا ينفذ انقلابًا على نائبه، حسب رواية حميدتي. كما أقر حميدتي في خطابه أنه فقد دعم المجتمعين الإقليمي والدولي بسبب الفظائع التي ارتكبتها مليشياته، وهو الآن يعيش في حالة توهان، كوابيس الاحتضار، وفرفرة المذبوح.
الشعب السوداني الصابر موعود بنصر قريب، وقد بدأت بوادره تلوح في الأفق. انكشف المستور من خلال هذا الخطاب، فترقبوا النصر القادم بإذن الله.
