السلاح والقتال  ، فصل في تجديد العلوم العسكرية 

د.مصطفى محمد علي حسين عبدالشافع- كاتب سوداني 

“هذه هي الأوقات التي تمتحن أرواح الرجال. فالطغيان مثل الجحيم عصي على الهزيمة”

توم بين 1776

هنالك آلاف الأمثلة على مناورات حربية  كبرى  عبر التاريخ ، انزالات ونزالات تركت إرثا كبير في علوم القتال . اكتشفت وانا اطالع التاريخ الحربي لبعض المدن ،   ان القتال الملحمي عبر عدة أشهر في الجبهة الغربية لمدينتي الوادعة في شمال دارفور ، فصل تاريخي لاينبغي أن تخطئه عين 

  انصع الأمثلة الحديثة على حرب المدن  ، بمعنى حرب الشوارع ، كان خلال حصار سرقسطة  الإسبانية من قوات نابليون بونابرت سنة  1809. كانت هزيمة الجيوش الإسبانية في معركة توديلا جعلتها تتقهقر ناحية سرقسطة ، تطاردها جحافل الجنرال الفرنسي لوفيفر بقوة تفوقها عددا وتسليحا . 

كان المسار التقليدي لمثل هذه المواجهات في العصور القديمة ، تحسم على الطريقة الكلاسيكية ، أن يخرج الخصمان لمكان مفتوح خارج المدينة ، يتقاتلا ليدخل المدينة المنتصر فاتحا مختالا . نابليون بونابرت أحدث نقلة ثورية هائلة في التكتيك العسكري الحديث ، حيث الغت المدفعية في عصره قيمة الأسوار ، لم يعد للحصار المتطاول مطبق الخناق معنى في عهده .

نعود الى بافلوس  ، حين وصلت بقايا الجيش الإسباني الى سرقسطة، كان المسار التقليدي ،  هو أن يتواجه الأسبان والفرنسيون في مكانٍ مفتوحٍ خارج المدينة ، ثم يدخلها المنتصر بأكاليل المجد  فاتحاً. منذ عصر معارك القرون الوسطى ينتهي القتال باختراق الأسوار والتحصينات  . في ساراقوسا أدرك القائد الإسباني ان فرصه ضئيلة لكسب مواجهة مفتوحة أمام الجيوش الفرنسية ، فاخترع حيلة تحويل المدينة باكملها الى حصن منيع واختارها لتكون ميدان المعركة ، حول المدينة باجراءات عسكرية طويلة ومعقدة ، حفر فيها بالافوكس الخنادق واحاطها بالسواتر الترابية والمدفعية ، وقسم المباني والاحياء الى مربعات صغيرة تشكل وحدات قتالية مستقلة  ، يصبح السيطرة على اي من هذه المواقع مكلفا للعدو ، توزعت المدفعية بفوهات مصوبة باحكام نحو الشوارع الكبيرة والمساحات ومتنفسات المدينة ، القناصة مرابطين في شواهق الاديرة والكنائس ، بإشراف مباشر من بافلوس في مبنى محصن -أشد تحصينا من بدروم البرهان –  لكن المفاجأة أن الاسبان قد خسرو المعركة ، شهرين كانا كافيين لتحطيم الدفاعات الخارجية للمدينة باكملها ، تقدم الفرنسيين عبر الأحياء واحتلوا قلب المدينة لتجبر القيادة الإسبانية على الاستسلام ، قتل خمسون الف انسان . 

منذ حصار الفاشر وصمودها العظيم منذ منتصف أبريل وحتى هذه اللحظة  ، وانا اتابع تحطم نظريات حرب المدن عبر العصور ، البارود الإماراتي الرخيص في مواجهة عزم الرجال الحديدي في شوارع مدينتي التي اعرفها وتعرفني ، تتحطم كل الأساطير وتتناثر بين جنبات التاريخ ، ينقل المؤرخ الحربي الشهير انتوني جونز ،  خلاصة تجربته عن حرب المدن ، المدافع المحاصر سيدفع الثمن باهظا عاجلا أو اجلا  ، لم يسمع عن قتال الكفاح المسلح في شوارع وازقة ابوزكريا . 

هل تشبه الفاشر استالينغراد ؟ 

يقول التاريخ العسكري أن معركة استالينغراد ليست معركة صمود وتحدي كما يشاع ، خلقت الادبيات وهما عن حرب المدينة وإمكانية أن تقف مدافعا في وجه آلة حرب باطشة وانت تحت الحصار،تقدّم الجّيش السّادس الألماني بقيادة باولوس، وهو أكبر وأهمّ التشكيلات العسكرية في الفيرماخت كان هتلر يقول ؛أستطيع أن أقتحم السّماوات بالجيش السادس ،  استالينغراد كانت معركة تأخير  وابطاء الجيش السادس المتقدم نحو قلب استالينغراد بنجاح عبر  طول نهر الفولغا ، من لم يسمع عن  فاسيلي زاتييف فخر السوفيت  وحرب القناصة عبر ركام المدينة وحطامها بينما النازيين يتقدمهم استاذ مدارس القنص اروينغ كونغ – من لم يشاهد العدو على الأبواب فقد فاته الكثير -. 

 كان جنرالات السوفيت يهدفون الى الدفاع الشديد المتدرج  وجر الألمان في نفس اللحظة الى القلب ، ليتولى الجيش الأحمر ضرب أجنحة واجناب الجيش الألماني،  ليتحول بعدها الى جيش محاصر بعد ان كان مهاجما ، تم عزل الجيش السادس  وحوصر وحرم من الإمدادات  ليستسلم كامل الجيش بعد شهرين فقط من القتال . 

 صمود الجيش والمشتركة في  الفاشر اليوم  أقوى بما لايقاس   من صمود استالينغراد ، من الناحية التكتيكية على الاقل   ، فالجنجويد قد احاطوا المدينة من ثلاثة اجناب باحكام ، وخط إمداد مفتوح يتحرك من أبوظبي الى امنجمينا ثم الى دارفور ، خط الإمداد البشري لاينقطع من جنجويد القارة ،  القوة المشتركة والجيش يستقبلون الإمداد عبر خيار وحيد ، الاسقاط المظلي ، وإمكانية هجوم من خارج المدينة على طريقة السوفيت يبدو خيارا مستحيلا ، انت في معركة غير متكافئة الفرص على الورق ، أقرب الحاميات العسكرية تبعد الاف الاميال ، المدينة نفسها لاتمتلك جغرافيا تجعلها حصينة ، سهل ممتد منبسط وتلال خفيضة للتنزه لاتقيك شر البارود يوم يشتد الكرب ،  بحسابات اليوم  ، لن تصمد أكثر من  عشرة أيام  ، وفقا للوليد مادبو المرتزق الانيق ذو الكدمول الحداثي . 

 تحطمت مصفحات ومسيرات أبناء  زايد بين احياء السلام والوحدة والتجانية ، تكسرت  هجمات المرتزقة جيدي العتاد ، بصبر وثبات وبطولات نادرة ، استعصت وتمنعت الفاشر  ،  سيطيل مؤرخو العلوم العسكرية النظر طويلا نحو هذا العمل  ،  حينها ، سيكتب التاريخ مجددا  .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *