حسين بَقَيرة – كاتب سوداني بالمملكة المتحدة
كيف يمكن لشخص أن يخون قومه وأهله ووطنه، وهو الذي حمل السلاح لأجلهم؟ كيف يُتهم بالخيانة من أمضى أكثر من عشرين عامًا في الأحراش والوديان والصحاري، يقاتل في سبيل الحرية والكرامة؟ كيف يُخَوَّن من خاض المعارك، قدّم التضحيات، واستشهد أمامه أعز ما يملك—ابنه، الذي حمل السلاح إلى جانبه؟ كيف يمكن التشكيك في ولاء من فقد المئات من أهله وأصدقائه وأقرب حراسه في ميادين القتال؟ وهل من المنطقي أن يخون من بذل روحه ليحيا الآخرون أحرارًا وليظل الوطن موحدًا؟
هذه التساؤلات موجَّهة إلى أولئك الذين يواصلون، بين الحين والآخر، حملات التخوين والشيطنة ضد القادة الميدانيين للقوة المشتركة، إرضاءً لنفوسهم المريضة، أو انسياقًا وراء الإشاعات المدمرة التي لم تَزِد معركة الكرامة إلا تعقيدًا والانتصار إلا تأخيرًا.
الشعب السوداني بطبيعته عاطفي، يتأثر بسرعة، سلبًا وإيجابًا، بالإشاعات التي تنتشر كالنار في الهشيم وسط مجتمع منهك ووطن جريح. ومما يزيد الطين بلة، أن بعض نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي، مثل (بيبي) وآخرين، سرعان ما يقعون في فخ الدعاية المضللة التي تديرها مليشيا الجنجويد. هؤلاء النشطاء يدورون في حلقة مفرغة من المعلومات المضللة، تمامًا كما تدور النفايات في مكبّات القمامة، فيتلقفون الأخبار من مصادر غير موثوقة، بل ومغرضة، ثم يعيدون بثها إلى الجمهور باعتبارها حقائق.
معظم هؤلاء يعتمدون على منصات التواصل نفسها أو على جلسات النميمة المجتمعية المليئة بالأكاذيب والشائعات (الشمارات)، حيث تنتشر الإشاعة بسرعة، وما إن تصل إلى أحدهم حتى يصدقها دون تمحيص، ثم يعيد نشرها بحثًا عن السبق الإعلامي أو سعياً وراء كسب المتابعين والإعجابات. وهكذا، تكبر الإشاعة وتترسخ، ما يضرّ بوحدة الصف الوطني.
لا يمكن فصل مليشيا الجنجويد عن المجتمع السوداني، خاصة بعد أن اكتسبت حلفاء جددًا يتسترون تحت غطاء “الحياد”، وهو غطاء انكشف مؤخرًا. هذه المليشيا تعمل على صناعة الإشاعات عبر غرف عملياتها الإعلامية، حيث تقوم إما بنشر معلومات مضللة تحت أسماء مستعارة على مواقع التواصل الاجتماعي، أو بتسريب معلومات غير حقيقية مجتزأة وموجهة لخدمة أجندتها. في كلتا الحالتين، تقع هذه الأخبار في أيدي نشطاء قصيري النظر، الذين يتعاملون معها دون وعي استراتيجي أو إدراك لحساسية الوضع الراهن، خاصة في ظل المعاناة المتفاقمة للمدنيين المحاصرين في معسكرات النزوح، كما هو الحال في الفاشر.
والمشكلة الأكبر أن هذه الإشاعات لا تجد طريقها إلى العامة فقط، بل حتى إلى مؤسسات الدولة، التي أحيانًا تبني قراراتها على معلومات غير دقيقة، مما يمنح العدو فرصة ذهبية لاستغلال الموقف لصالحه. لقد أصبحت مليشيا الجنجويد أكثر دهاءً في إدارة الحرب الإعلامية، متفوقة على الحكومة وحلفائها في هذا المجال.
على النشطاء الداعمين لحرب الكرامة أن يتحلوا بالتريث، وأن يدققوا في المعلومات قبل نشرها. فليس كل ما يُنشر يجب تداوله، خاصة في ظل هذه الظروف الحساسة. إن التسرع في نشر الإشاعات لا يخدم سوى العدو، ويحولنا إلى أدوات تُستخدم ضده من حيث لا ندري. كما أن على الحكومة أن تتجنب منح المليشيا فرصًا مجانية، عبر تصريحات غير مسؤولة تصدر عن بعض القادة، مثل (طارق كيجاب)، والتي قد تؤدي إلى تضخيم الإشاعات وإعطائها مصداقية غير مستحقة.
لا يمكن أيضاً أن نغفل خطورة بعض الانتهازيين الذين يستغلون الوضع الراهن لتحقيق مكاسب سياسية، ظنًا منهم أن الحرب أوشكت على نهايتها. لكن الواقع على الأرض، خصوصًا في دارفور، يُشير إلى أن الأوضاع لم تزد إلا سوءًا، وأن السودان كيان واحد، إن تألم جزء منه، تداعى الجسد كله. أي تجاهل لهذه الحقيقة هو ضربٌ من الوهم، وكذبٌ على النفس قبل الآخرين.
في خضم كل هذه الفوضى الإعلامية، كان التصريح الأكثر مسؤولية ووطنية خلال هذا الأسبوع هو ما صدر عن العقيد أحمد حسين مصطفى، الناطق الرسمي باسم القوة المشتركة، من داخل الفاشر، حين قال: “القوة المشتركة والقوات المسلحة والقوات المساندة تعمل بتناغم وانسجام.”
هذا النوع من الخطاب هو ما تحتاجه البلاد في زمن الحرب، لأنه يرفع المعنويات، ويوحد الصفوف، ويعزز التماسك بين المقاتلين. ونأمل أن يرتقي بقية المسؤولين إلى هذا المستوى من الانضباط والمسؤولية الوطنية.
على الذين يعتقدون أن تحرير الخرطوم سيعني نهاية الحرب أن يعيدوا التفكير. فالنصر الحقيقي لا يكمن فقط في سحق المليشيا عسكريًا، بل في توحيد الشعب السوداني حول مشروع وطني جامع. التفكير في ترتيبات ما بعد الحرب من منظور عنصري أو فئوي لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الصراع، وإعطاء المليشيا مبررات للبقاء.
إن لم يخرج السودان من هذه الحرب بوحدة وطنية حقيقية، يكون الوطن قد خسر المعركة حتى لو كسب الحرب. فالوحدة الوطنية ليست ترفًا، بل هي شرط أساسي لبقاء السودان على خارطة العالم. خلاف ذلك، سنكون كمن يكتب شهادة وفاة الوطن بأيدينا.
