بقلم شريف عبدالشافع المحامي
تحدثنا كثيرا عن فك الحصار المطبق على مدينة الفاشر من قبل مليشيا الدعم السريع لأن السكوت عن الانتهاكات والفظائع التى طالت الجميع سحلا وتنكيلا وتجويعا فى أكبر مأساة تشهدها عالم اليوم تواطؤ فى حد ذاتها، ما من صاحب ضمير حي أن يغض الطرف عن هذه المحرقة، نساء وأطفال وشيوخ تنوء بهم معسكرات نزوح ارتضوا البقاء فيها فى بيئة تفتقر لأبسط مقومات الحياة لأكثر من عقدين ونيف على أطراف المدينة بعد سيطرة المليشيا الغاصبة على قراهم الآمنة وإجبارهم على مغادرتها تاركين كل غالٍ ونفيس بحثا عن الأمن حتى بلغ أطفالهم الذين ولدوا وترعرعوا فى هذه المعسكرات الرشد ويحملون اليوم السلاح دفاعا عن خيامهم البالية وعن آبائهم وأمهاتهم الذين رووا لهم عن ماضيهم وما فعله الجنجويد بهم وهم وقتها فى رحم الغيب حتى ظنوا مع براءة الطفولة أنهم يستمعون إلى قصص وروايات من نسج الخيال حتى تفاجأوا بالمليشيا التى تجردت من الانسانية تلاحقهم فى مهد الصبا وعندها فطنوا الحقيقة وطفقوا يتسابقون لحمل السلاح ذكورًا وإناثًا للدفاع عن حقهم فى الحياة بعد أن انتهكت أعراضهم وسلبت أموالهم وامتهنت كرامتهم.
إن ما تقوم به المليشيا باستهداف معسكرات النزوح بشتى أنواع الأسلحة بما فيها المسيرات لهي جريمة إبادة مكتملة الأركان وجرائم ضد الإنسانية محرمة ومجرمة وفق كافة الشرائع وبموجب جميع المواثيق والقوانين والأعراف يبيح للضحايا أفرادا وممثلين كشعب دولة ذات سيادة استخدام حقهم المشروع فى الدفاع بشتى السبل حفظًا للكرامة وبسطًا للسيادة وصدا للعدوان، كما تتيح هذه الكارثة تدخل المجتمع الدولى لإدانة سلوك المليشيا بأشد العبارات وحثها للكف عن ارتكاب المجازر وتقديم قادتها للمحاكمات والاعتراف بحق الدولة فى استخدام حقها المشروع وممارسة سيادتها على كافة أراضيها ومياهها الإقليمية ومجالها الجوى ولا سيما أنها تواجه مليشيا عابرة للقارات قوامها أفراد من دول عدة وتتلقى الدعم من دول معلومة عبر دول الجوار ودول أخرى توفر الغطاء والملاذ الآمن لقيادات وزعماء وأشخاص حلفاء للمليشيا.
رغم التحديات الماثلة وتكالب الأعداء على قيادة الدولة ممثلة فى القوات المسلحة والقوات المساندة لها، تتحمل المسؤولية تجاه ما يحدث بالفاشر مع تسخير الإمكانيات المادية والعسكرية وتوجيه كافة القوات برية وجوية لنجدة الفاشر وإنقاذها من المحرقة.
وعلى قيادة الدولة إصدار توجيهات عاجلة وصارمة لولاة الولايات المستقرة والتى تشهد نوعًا من الاستقرار أن تصدر قرارات صارمة لوقف كافة مظاهر الاحتفالات والمهرجانات والمواكب الشعبية التى تعبر عن الانتصارات الجزئية التى تحققت لأن ساعة النصر لم تحن بعد طالما هنالك أجزاء عديدة من البلاد تئن تحت وطأة الحرب فلندخر ونؤجل مثل هذه الاحتفالات لما بعد النصر العظيم.
من حق الجميع أن يفرحوا ولكن فى ذات الوقت يجب أن يتذكروا أن لهم إخوة سلبت أصوات المدافع النوم من أعينهم وحرمهم الحصار عمّا يسدون به الرمق.
أما كان الأولى أن تسخر نفقات المهرجانات لدعم المجهود الحربى للقابضين على الزناد، وأن تقتصر الاحتفالات داخل الثكنات العسكرية وبنقل صور الانتصارات من مسارح العمليات عبر القنوات الفضائية.
إلى متى تظل الفاشر محاصرة وصامدة فى مواجهة هجمات المليشيا التى قاربت المئتين هجمة؟ ومتى يفك الحصار عنها؟ ولماذا تأخر فك الحصار عنها؟
تفاقمت الأوضاع فى الفاشر بعد إجلاء المليشيا من العاصمة وتوجههم صوب الغرب قاطعة آلاف الكيلومترات وقد تنبأنا بهذا الأمر والمعارك على أشدها فى العاصمة.
لتحرير العاصمة أهمية ورمزية ولكن ما لم يتم القضاء على المليشيا فى كافة الجبهات سيظل الخطر باقيًا.
للفاشر الدور الأعظم والقدح المعلى فى كسر شوكة المليشيا وظلت عصية فى وجهها الكالح وهلك على أبوابها عراب ودهاة قادة المليشيا فلعل المليشيا تنتقم الآن بدافع الثأر دون تمييز أو تخطيط والضحايا يوميًا فى تزايد ولم تسلم المرافق الصحية من بطشها، فلو سارت الأمور على هذا النحو ستصبح الفاشر هشيمًا تذروه الرياح، ولوضع حد لهذه المأساة يجب التحرك فورًا وبنفس حماسة تحرير الخرطوم حتى تتنفس الفاشر الصعداء.
ثمة أقلام وتغريدات وهمسات تلقى باللائمة على حركتي العدل والمساواة وتحرير السودان وأحيانًا فى شخصي الدكتور جبريل والمارشال مني مناوي فى تأخر حسم معركة الفاشر، فالفاشر جزء من السودان العريض والقوات المشتركة ساهمت فى تحرير كافة المدن والمناطق التى تمددت إليها المليشيا والآن تقاتل فى محور الصحراء وداخل مدينة الفاشر وقدمت أرتالًا من الشهداء والجرحى، فهؤلاء لا يؤمنون حتى يروا الدكتور جبريل والمارشال مني على ظهر عربة قتالية يمسكان معًا بالمدفع، فأي فهم هذا؟ أما يكفي دورهما فى تحمل المسؤولية من خلال إدارة الشأن العام بجانب رئاستهما للحركتين إعدادًا وتوجيهًا.
إذا كان من صوت لوم يجب أن يوجه إلى المخذلين والأنانيين قصيري النظر الذين ينظرون إلى البلاد بمنظور المناطقية البحتة، وإلى شذاذ الآفاق الذين ينظرون إلى تعافي الدولة فى فصل دارفور وتركها للمليشيا، وإلى الذين ينظرون إلى الفاشر بالبعد الجغرافي والخطر بنفس المقياس، ولكن كما قال المارشال مني أركو مناوي: لا بعد يعصمنا من الخطر طالما اليابان تصنع اللاندكروزر والكفيل يدعم. فهؤلاء لا يعلمون أن الحرب أخذت أبعادًا استراتيجية ولا يعلمون لماذا تستميت المليشيا من أجل الفاشر.
علي قيادة الدولة والقادة حسم أمر الفاشر اليوم قبل الغد.
اللهم إني قد بلغت، فاشهد
