حسين بَقَيرة – كاتب سوداني بالمملكة المتحدة
يُعد معسكر زمزم للنازحين، الواقع في ولاية شمال دارفور بالقرب من مدينة الفاشر، أكبر معسكر للنازحين في السودان، وفقًا لتقديرات المنظمات الدولية. قبل اندلاع هذه الحرب، كان يضم أكثر من نصف مليون نسمة، لكن مع حصار الفاشر، تضاعف عدد النازحين، حيث لجأ إليه معظم سكان مدينة الفاشر بحثًا عن الأمن، هربًا من جحيم القصف المتعمد الذي تنفذه مليشيا الدعم السريع الار_هابية.
هؤلاء النازحون هم في الأصل ناجون من الإبادة الجماعية الأولى عام 2004، إذ أجبروا على الفرار بعد أن استُبيحت أراضيهم وقُتل ذووهم وشُرِّدوا في إطار عملية إحلال وإبدال (المستوطنين الجدد) ممنهجة تهدف إلى التطهير العرقي. على إثر ذلك، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق العديد من قادة مليشيا الجنجويد والنافذين في النظام البائد، حيث تتم الآن محاكمة علي كوشيب في لاهاي.
أغلب سكان المعسكر نزحوا من مناطق كولقي، أبو زريقة، طويلة، مشروع ساق النعام، وكذلك من جنوب وشرق دارفور، مثل المهاجرية، الشعيرية، غرابشي، لبدو، وغيرها من المناطق المستهدفة من قبل الجنجويد.
تعرض معسكر زمزم لهجمات متكررة من مليشيا الدعم السريع، حيث قُصف بالقذائف والطائرات المسيرة عدة مرات. لكن في يومي الثلاثاء 11 فبراير 2025، والأربعاء 12 فبراير 2025، شهد المعسكر واحدة من أبشع المجازر، حيث استُبيح بالكامل، وقُتل العشرات، وأُصيب العديد من المدنيين العزل.
لم تكتفِ المليشيا بذلك، بل قامت بحرق السوق الوحيد في المعسكر، و احرقت المحاصيل الغذائية وعصارات الزيت وكل السلع الأساسية التي يعتمد عليها الأطفال والمرضى والمسنون. هذه الجريمة خلفت أوضاعًا إنسانية كارثية، حيث أصبح النازحون بلا غذاء أو دواء، يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، وسط صمت دولي مخزٍ، وكأن العالم يتواطأ ضدهم، إذ يُعتبر هذا السكوت مشاركة في هذه الجرائم الفظيعة.
رسائل إلى أصحاب القرار:-
- إلى الحكومة السودانية ممثلة برئيس مجلس السيادة:
لا شك أن أولوية الحكومة هي القضاء على مليشيا الجنجويد، هذا السرطان الذي ينهش الجسد السوداني، ولكن من الضروري التركيز على إنقاذ الفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، وخاصة سكان معسكر زمزم الذين يواجهون الإبادة الجماعية، سواء بالرصاص كما يحدث الآن، أو بالمجاعة نتيجة الحصار المفروض على الفاشر. لذلك، يجب على الحكومة السودانية اتخاذ قرارات فورية لإسقاط المساعدات الغذائية والدوائية جوًا في الفاشر ومعسكر زمزم، تمهيدًا لكسر الحصار المفروض على المدينة وإنقاذ المدنيين العزل. - إلى حاكم إقليم دارفور:
في مثل هذه الأزمات، تلعب الحكومات المحلية دورًا محوريًا، عبر إنشاء غرف طوارئ تعمل على مدار الساعة، وتوجيه المواطنين لكيفية التعامل مع الوضع الراهن. نأمل من السيد الحاكم اتخاذ خطوات عملية ملموسة لإنقاذ سكان الإقليم، عبر التنسيق مع الحكومة المركزية، وتوجيه بقية الإدارات الإقليم للقيام بدورها. - إلى المجتمع الدولي ممثلًا في الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي، الاتحاد الأفريقي، وجامعة الدول العربية:
إن جرائم الحرب التي تُرتكب في دارفور من قبل مليشيا الدعم السريع الار_هابية، وخاصة في معسكر زمزم، لا يمكن السكوت عنها. لا يُعقل أن يظل العالم متفرجًا بينما تتعرض أكبر تجمعات النازحين للإبادة بعد عشرة أشهر من الحصار. إن الإنسانية والضمير الأخلاقي يفرضان عليكم التحرك العاجل لحماية هؤلاء الأبرياء، و ذلك بتصنيف هذه المليشيا ضمن المنظمات الأرهابية، كل الجرائم موثقة، والتاريخ لن يرحم، والشعوب لن تنسى. - إلى منظمات المجتمع المدني السودانية، وخاصة اتحاد أبناء دارفور في المملكة المتحدة، وتجمع الروابط دارفور ببريطانيا و المنظمات السودانية في بريطانيا وأمريكا، واتحاد الأوروبي:
يجب اتخاذ إجراءات قانونية لملاحقة مجرمي الحرب الذين ارتكبوا هذه الفظائع، خاصة مع توفر الأدلة الواضحة من الفيديوهات التي نشرها عناصر الدعم السريع أنفسهم أثناء اقتحامهم للمعسكر. كما يجب ملاحقة المستشارين الإعلاميين للمليشيا، الذين يروجون لمزاعم كاذبة بأن المعسكر قاعدة عسكرية، وهو ما يعرف الجميع أنه محض افتراء. بالإضافة إلى ذلك، ينبغي اتخاذ خطوات قانونية لمقاضاة الدول التي تدعم هذه الجرائم، وعلى رأسها الإمارات، التي تُعد الداعم الأساسي لمليشيا الدعم السريع الارهابية.
إن سكان معسكر زمزم يستحقون الحياة مثل غيرهم من البشر. لا بد من التحرك العاجل لكسر حصار الفاشر وإنقاذهم. قد يطول الظلم، لكنه لا يدوم، والحق سينتصر لا محالة. نرى ذلك قريبًا، ويرونه بعيدًا، ولكن الله ناصر المظلومين، وهو القادر على كل شيء.
