السودان في قبضة الدخان: من صمود الفاشر إلى تلعثم حزب الأمة وتحوّل مبارك الفاضل مع تصفيق واشنطن

صلاح يعقوب – كاتب

السودان لا يشبه نفسه، ولا أحد فيه يشبه ما كان عليه قبل عام.

الدولة باتت موزعة بين ساحة معركة، ومقر مؤقت، وذاكرة لم تجد من يرثها. الحرب ما تزال على أشدها، لكنها لم تعد تطرح أسئلة عن النصر، بل عن معنى النجاة.

في الفاشر، دخلت المدينة معركتها رقم 220 يوم الجمعة الماضي، كأنها تُحارب وحدها، بلا جمهور، بلا ظهر سياسي.

الجيش والقوة المشتركة صدّوا هجوماً عنيفاً من مليشيا الدعم السريع، في واحدة من أطول المعارك اليومية المستمرة منذ أكثر من عام.

الفاشر لا تصرخ كثيراً، لكنها تنزف كل يوم، ويبدو أن نزيفها صار اعتيادياً في نشرة أخبار سودان ما بعد تحرير الخرطوم.

أما نيالا، فهي اليوم تحت سيطرة مليشيا الدعم السريع منذ قرابة عامين.

المدينة تتحول تدريجياً إلى مركز استقبال لجرحى المعارك، الذين يتوافدون بالمئات، لا يجدون علاجاً، ولا حتى وعوداً صادقة.

هؤلاء هم الجنود الذين وعدهم قائد المليشيا بإنشاء مدن طبية متكاملة لعلاجهم وتأهيلهم، لكن الواقع أنه لا توجد حتى وحدة طبية ميدانية تحفظ كرامتهم أو تقيهم النزيف.

الجرحى يُحشرون في مرافق محدودة الإمكانات، تُدار بفوضى الميدان، ويُعاملون كأعباء مؤجلة لا أبطال حرب.

مصابون يُلقون في مشافٍ غير مؤهلة، بلا أجهزة، بلا كادر، بلا دواء، وكأن العلاج ترف لا يستحقه الفتيان الذين استنفرهم عبدالرحيم دقلو من حواضنهم عبر إداراتهم الأهلية التي امتهنت “بيع” أبنائها منذ أمدٍ بعيد؛ بدايات حرب الجنوب في أواسط القرن الماضي، لحكومات السودان المتعاقبة، واليوم لدقلو إخوان.

فـ”نيالا” تُدار باسم الحرب، لكنها لا تعالج حتى من يخوضها.

في كردفان، النزوح من بارا يتسارع، مع ازدياد مؤشرات الهجوم المرتقب من مليشيا الدعم السريع نحو الأبيض، حيث يتمركز متحرك الصياد (جيش، مشتركة، براؤون، ومستنفرون) في حال تأهب دائم.

لكن المشهد مكرر: المليشيا تتقدم، الجيش يتصدى، والناس في المنتصف ينتظرون أي شيء سوى استمرار الكرّ والفرّ.

الأبيض مدينة بثقل الرمزية الوطنية، خط دفاع متماسك، وما يليها ليس فقط جغرافيا، بل سقوط إضافي في هاوية الحرب الطويلة.

وفي بورتسودان، تتشكل حكومة جزئية تُدار من بعيد، بلا صلاحيات واضحة، فقط لضمان ألا يسقط كل شيء دفعة واحدة.

وزارة المالية وجدت لها حلاً بعد شهر ونصف من التعطيل، بعودة جبريل إبراهيم إلى المنصب، في لحظة لا يبدو أن للمال فيها قيمة، إلا ما يحدَّد به النفوذ.

في الجبهة السياسية، حزب الأمة يواصل سقوطه الحر.

في مؤتمر صحفي ببورتسودان، خرج الدومة، وإبراهيم الأمين، وإسماعيل كتر، ليعلنوا عزل برمة ناصر، في انقلاب داخلي لم يكن مفاجئاً، لكنه كشف الغياب التام لأبناء المهدي عن المشهد.

لا عبدالرحمن بينهم، ولا مريم، ولا البشرى، وكأن الورثة خذلوا الميراث، أو تركوه ليذوب في سوق التفاوض والمزايدات بين بورتسودان ونيروبي.

ثم تأتي القصة الأوضح في الالتفاف السياسي: مبارك الفاضل المهدي، الذي كان من أوائل من صرّحوا علناً بأن الدعم السريع هو من بدأ الحرب، تغيّر خطابه فجأة بعد زيارته إلى الإمارات في الأسبوع الأول من يونيو.

قال إنها زيارة لحضور مناسبة أُسرية، لكنها لم تخلُ من غرض سياسي، وهو “هدم الجدار الزائف الذي صنعه الكيزان مع دولة الإمارات الشقيقة” على حد تعبيره.

والسؤال البديهي: لماذا يُغيّر رجل بهذه الخبرة روايته فجأة بعد رحلة واحدة للإمارات؟

الإمارات، المتهمة في أكثر من تقرير دولي بتقديم دعم مالي ولوجستي لمليشيا الدعم السريع، لا تستضيف أحداً في هذا التوقيت “بالمجاملة”.

هي لاعب إقليمي يريد حماية استثماراته، ونفوذه، وحلفائه.

وتحوّل مبارك الفاضل من رواية إلى نقيضها، بعد هذه الزيارة، يطرح علامات استفهام لا على موقفه فقط، بل على من يكتب الخطاب المدني في السودان اليوم، ومن يُعدّل النسخ الأخيرة قبل نشرها.

ثم نأتي إلى الجاكومي، الذي خرج بتصريح عجيب أعلن فيه عزمه تدريب ٥٠ ألف شاب من شمال السودان في إريتريا للانضمام إلى الجيش ضد الدعم السريع، دون أن يصدر أي تعليق من الجانب الإريتري، وكأن الفكرة لم تستحق الرد.

وعندما سأله أحمد طه على الجزيرة: “كيف تعلن عن تدريب ٥٠ ألف شاب في دولة مجاورة دون موافقة الجيش؟”، تهرّب الجاكومي بإجابة مرتبكة، زاعماً أن له نفس الحق مثل قوات مني أركو مناوي، متجاهلاً أنه مدني بلا فصيل، ولا وزن سياسي، ولا تاريخ قتالي.

تصريح بلا سند، ورد بلا منطق، ومشهد يُلخّص كيف يتحوّل البعض من منبر الكلام إلى استعراض بطولي مرتجل، لا يصدّقه إلا صاحبه، ولا ترد عليه حتى الدول التي زعم أنه يحشد إليها عشرات الآلاف من الشباب للتدريب.

في واشنطن، خرج ترامب قبل أيام ليقول إن بلاده تدعم “السلام في السودان”.

تصريح انتخابي، أم إشارة ناعمة؟ لا يهم.

الذي نعرفه أن الحرب الآن لا تُحل بالتصريحات، ولا بالتمنيات.

الدعم السريع ما زال يراكم السلاح، والجيش يخوض حرباً استنزافية، والمجتمع الدولي يتعامل مع السودان وكأنه شريط وثائقي لا يتطلب تدخلاً، بل فقط متابعة.

المعركة لم تعد بين جيش ومليشيا فقط، بل بين وطن يتفكك، ومشهد مدني لا يرى من الوطن إلا مكبر الصوت.

صمود، تأسيس، الكتلة الديمقراطية، الحركة الإسلامية، حزب الأمة، الحزب الشيوعي… إلخ، كلها أسماء خالية من المعنى ما دامت عاجزة عن تقديم مشروع وطني جامع، أو حتى الاعتراف بفشلها في اللحظة المفصلية.

السودان الآن لا يكتب تاريخه، بل يتلقى صدماته.

مدينة تقاتل، ومدينة تنزح، ومدينة تسقط، و”قوى سياسية” تتبادل التصريحات فوق الركام.

لكن البلد لم يمت بعد. ما زال في الفاشر أمل، وما زالت في الأبيض مقاومة، وما زال في الشعب السوداني وعي يعرف تماماً من بدأ هذه الحرب، ومن يطيل عمرها، ومن يتخفّى وراء المفاوضات كي لا يُحاسب على شيء.

وإلى أن تأتي لحظة الحقيقة، سيبقى السؤال معلقاً:

من يملك الجرأة ليعترف أن ما نعيشه ليس أزمة حكومة، ولا تمرداً طارئاً، بل انكشاف وطن تخلى عن نفسه، وسمح للغرباء أن يعيدوا تشكيله في الظل؟

تلك هي المأساة… لا في من يحارب، بل في من لا يرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *