الخيانة العظمى: كيف غدرت أمريكا بإسرائيل وصنعت أسطورة إيران النووية

حسن تابت مطر

في قلب التحولات الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط، تتضح صورة مشروع عميق وممنهج، حيث تتلاشى التحالفات القديمة وتُرسم خطوط استراتيجية جديدة بإرادة القوى العظمى. ما حدث في الحرب الأخيرة لا يمكن وصفه إلا بالغدر العلني والمباشر من قبل الولايات المتحدة تجاه حليفتها التاريخية إسرائيل. أمريكا، التي طالما ادّعت دعمها المطلق لأمن إسرائيل، تخلت عنها “عيني عينك”، وقلبت الطاولة لتصنع أسطورة إيران كقوة نووية ناشئة.

واحدة من المهام الخفية لهذه الحرب لم تكن فقط حماية أمن هذا الطرف أو ذاك، بل إعادة تشكيل وعي الإقليم تجاه إيران. فإيران، التي كانت قبل أعوام مرفوضة إقليمياً حتى في برامجها النووية السلمية، أصبحت اليوم بعد أن صمدت تحت القصف والحصار تُسوَّق كعاشِر دولة نووية على وشك أن تنضم للنادي المغلق للقوى النووية. بل إنها الدولة الأولى التي تواصل تطوير برنامجها وتصنيع سلاحها النووي وهي في خضم حرب مدمرة وضربات جوية مكثفة.

الغدر الأمريكي ظهر واضحاً عندما تخلّت واشنطن عن دعم نتنياهو في لحظة كان يراهن فيها على الحسم العسكري. لكن أمريكا، بعين استراتيجية ثاقبة، كانت ترى أبعد من ذلك. لم يكن الهدف حماية إسرائيل أو حتى تدمير إيران، بل إعادة ضبط موازين القوى في المنطقة لمصلحة مشروع أكبر: مشروع “الشرق الأوسط الجديد”.

هذا المشروع، كما يبدو، يقوم على قبول إيران كقوة نووية، لا حباً فيها، ولكن لكبح جماح القوى الخليجية الصاعدة. الخليج اليوم بات لاعباً مركزياً في الاقتصاد العالمي، بما يملكه من نفط، سيولة نقدية، تحالفات تكنولوجية، وتحكم فعلي في الممرات التجارية. وإذا استمرت هذه الديناميكية، فغداً قد ينافس الخليج ـ ككتلة سياسية موحدة ـ القوى الأوروبية في التأثير والنفوذ داخل هرم السلطة الإمبريالية العالمية.

هنا، يظهر منطق الصراع والتوازن: لا يمكن السماح لقوة اقتصادية ضخمة كدول الخليج أن تنفلت من السيطرة دون وجود أدوات ردع استراتيجية. إيران النووية ستكون تلك الأداة، في مقابل إسرائيل التي تظل الذراع العسكري التقليدي. هكذا يُدار المشهد من وراء الستار.

المثير في الأمر، أن كل من وقف في وجه البرنامج النووي الإيراني، سواء إقليمياً أو دولياً، بات يدرك الآن استحالة القضاء عليه بالحل العسكري دون أن ينزلق العالم إلى أزمة كونية شاملة. وما كان مرفوضاً بالأمس، بات اليوم واقعاً يتم تسويقه ببراعة عبر الحرب ذاتها.

الحرب لم تكن فقط بين طهران وتل أبيب، بل كانت منصة لإعادة تشكيل الإدراك العالمي. إيران، بقوة الحديد والنار، تُدشَّن كقوة نووية مقبولة، لا لتدمير الخليج، بل للجم تمدده المستقبلي. أما إسرائيل، التي طالما ظنت نفسها الابنة المدللة لواشنطن، فقد ذاقت طعم الخيانة. وأمريكا؟ كانت ترى كل ذلك بعين مفتوحة، وتخطط بعقل بارد.

أمريكا لم تخطئ، بل فتحت عيونها جيداً… وغلّفت خيانتها بغلاف المصالح العليا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *