حسين بَقَيرة – كاتب سوداني بالمملكة المتحدة
في السودان اليوم، تنتشر الانتهازية بشكل مريع. فقد أصبح كثيرون يستغلون ظروف الحرب اللعينة لتحقيق مآرب ذاتية، سواء لمصالح شخصية أو حزبية أو حركية. يستخدمون كل الوسائل، وعلى رأسها شراء الذمم الذي انتشر في المجتمع كالنار في الهشيم.
يمر السودان عامة، ودارفور ومعسكرات النزوح ومدينة الفاشر المحاصرة خاصةً، بظروف بالغة الخطورة، حتى إننا قد نصحو يومًا فلا نجد أحدًا، نتيجة ما يتعرض له المدنيون من إبادة جماعية على يد مليشيا الجنجويد، بينما العالم يتفرج، ولا تلوح في الأفق أية حلول قومية لفك الحصار المضروب على الفاشر منذ عامين. وخلال ذلك، تواصل المليشيا ارتكاب المجازر والمذابح في محيط المدينة، وما جرى في معسكر “زمزم” ليس ببعيد.
في خضم هذا الوضع، التف الشعب السوداني بأكمله خلف القوات المسلحة والقوة المشتركة وكل القوى المساندة، إيمانًا منه بضرورة التعاضد والوحدة الوطنية لمواجهة خطر الجنجويد الذي اجتاح البلاد. وقد وقف الشعب مخلصًا، مساندًا، ومشكلًا سدًا منيعًا أمام الانهيار الوطني، في لوحة مجيدة من التلاحم والبطولة.
ومع ذلك، يرفض بعض قادة الأمر الواقع الاستماع إلى نصائح أبناء الوطن الشرفاء الذين يطلقون “صرخات” مخلصة لتصحيح المسار وإنقاذ ما يمكن إنقاذه. بل إن بعض هؤلاء القادة يحاولون تكميم الأفواه بحجة أن “الوقت ليس مناسبًا لقول الحق”، حتى لو كان المنطق والحقيقة يفرضانه! ويتذرعون بأن إثارة مثل هذه الأسئلة قد يستغلها العدو (الجنجويد وأعوانهم) ضدنا.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: متى سيكون الوقت المناسب الذي ينتظرونه؟
ألم يكن صمت العامين الماضيين كافيًا لتدارك الأمور؟ ألم يحن وقت مواجهة الشعب بالحقائق بدلاً من التذرع بحجة “التوقيت غير المناسب”، التي أصبحت شماعة لاستغلال الأزمة بكل انتهازية مريبة؟
إن أقسى درجات الانتهازية هي أن يستغل البعض الكوارث والمآسي لتخويف الشعب، وإقناعه بأن الجهر بالحق خطر على الأمن القومي! غير أن مرور العامين كشف أن هناك من استغل هذا الصمت لتحقيق مصالحه الشخصية أو الحزبية، عبر سياسة تكميم الأفواه وتجييش أشباه كوادر تنظيمية تقدم الولاء التنظيمي الأعمى على حماية أرواح المدنيين.
إنهم ينسون أن لا قيمة لهم بدون الحاضنة الشعبية. آن الأوان للشعب أن يرفع صوته عاليًا، مستندًا إلى معطيات الواقع ومقتضيات المرحلة، بجرعات تدريجية توقظ النائمين في مواقع القرار.
والغاية من هذه “الجرعات” أن نعالج المرض العضال: الانتهازية.
فإن نجحت الجرعة الأولى، فلن نحتاج إلى المزيد. أما إذا لم تنجح، فالمصيبة أعظم مما نتصور، وقد نصل إلى مرحلة البتر… ونأمل ألا نبلغ هذا الحد.
على القادة أن يعوا أن الشعب هو الأصل وهم الفروع. وواجبهم الاستماع لمطالبه والاستجابة لأولوياته. ولا أولوية تعلو على حماية أرواح المدنيين وإنقاذهم من مذابح الجنجويد.
لقد صبر الشعب حتى كاد الصبر أن يعجز عن الصبر عنهم. خسروا كل شيء، ولم يبق لهم ما يخافون عليه حتى يكتموا الحق.
الشعب معلم. والشعب لا ينتظر توقيت الجبناء لقول الحق.
لا يستأذنون، ولا يسكتون.
والقيادة ليست لقبًا على شاه ميتة… فتأملوا قبل أن يفوت الأوان.
الصمت لم يعد خيارًا.
