الواثق كمير – كاتب سوداني
الشكر والتقدير للصديقين شمس الدين ضو البيت (مشروع الفكر الديمقراطي) والمحبوب عبد السلام (حركة تضامن من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية) على دعوتهم لي للمشاركة والمساهمة في هذا اللقاء الفكري حول رؤية للخروج من الحرب ومعالم العقد الاجتماعي الجديد.
وأنا أُطالع عنوان المنتدى حول “رؤية للخروج من الحرب ومعالم العقد الاجتماعي الجديد”، خطر ببالي للتو أن أُشرككم معي في البحث عن إجابات على أسئلة رئيسة أرى أنه بدونها فمن الصعب، إن لم يكن من المستحيل، التوافق على رؤية لوقف الحرب ولتأسيس سودان ما بعد إنهائها. ولكن، حالما أكملت الاطلاع أكثر من مرة على أجندة وأهداف المنتدى، وجدت نفسي مُستغرقاً في ملاحظات مهمة قد تجد استجابة من أصحاب الدعوة ومُنظمي المنتدي والمشاركين فيه، وقد تُثري لاحقاً مجهوداتهم المبذولة لتُحقق نتائج أفضل. (وليس بالضرورة أن تُزحِم أجندة النقاشات خارج سياق محاور المنتدى الحالي). سأكتفي في هذه المداخلة بطرح هذه الملاحظات، على أن أُلحقها بالأسئلة التي تبحث عن إجابات عن وقف وإنهاء الحرب.
١. أول ملاحظة لي هي اكتفاء الدعوة للحوار بالتركيز على الهدف “الكُلي”، أو الغاية، وهو “استعادة دور المثقف”، بدون تعريف أهدافٍ “محددة” تقود نتائجها المتوقعة إلى تحقيق الهدف النهائي، مما يُسهل عملية تقييم ما تحدثه الحوارات السابقة والمستقبلية من تأثير.
٢. حقيقة، استوقفتني عبارة أن هذا الحوار يهدف إلى “استعادة دور المثقف والحكيم والعالم وسلطته الروحية والمجتمعية واستئناف عمله النبيل الذي أرسى أوتاداً لشعوب السودان وأقوامه نحو وطن يساهم جميعا”.
٣. فإذا تجاوزنا الجدال حول تعريف من هو المثقف، فما هو أصلاً كان دور هذا المثقف في إرساء أوتاد البلاد، وما هي معايير تقييمه وقياسه؟ حقيقة، نحتاج إلى دراسة وبحث مُعمق لمساهمات المثقفين السودانيين في تشكيل الخطاب السياسي وتعزيز الوعي وطرح رؤى وأفكار جديدة، وفي إحداث التغيير الاجتماعي في السودان، منذ مؤتمر الخريجين في سياق الصراع ضد الحكم الأجنبي، ومن خلال سيرورة تطور الحركة المطلبية المهنية، التي عمادها المثقفون، بسبب الخلط المفهومي بين “النقابة” و”الحزب السياسي”.
فالصراع السياسي-الاجتماعي في السودان بعد الاستقلال، تميز بالتنافر والصراع بين القوى السياسية “التقليدية” والقوى “الحديثة” من ناحية (رغم أن المفهومين مثيران للجدل)، وبين الحركة النقابية والدولة من ناحية أخرى. للمفارقة، مع أن الحركة النقابية ظلت تاريخياً في طليعة المدافعين عن الديمقراطية، إلا أنها دعمت انقلاب مايو ١٩٦٩، وتجلى ذلك في الحشد الجماهيري غير المسبوق الذي نظمته التنظيمات النقابية في ٢ يونيو من ذلك العام.
وبحكم نشاطي النقابي ومتابعتي، أزعم بأن الصراع بين النقابات وأنظمة الحكم المتعاقبة أسهم بشكل كبير في تقويض النظام البرلماني، بما شهدته، مثلاً، فترة الحكومة المنتخبة ١٩٨٥-١٩٨٩ من إضرابات ومظاهرات هيأت البيئة التي استغلتها الجبهة الإسلامية للانقلاب. وهذه من أهم تناقضات الحركة النقابية السودانية، التي تستدعي الحوار الجاد. ولذلك، أرى أنه من المهم أن يبتدر المثقفون الناشطون مراجعة نقدية شاملة لدورهم، طالما أنهم يطالبون الأحزاب والقوى السياسية بالنقد الذاتي.
٤. أعتقد أنه على خلفية مجهودات “مشروع الفكر الديمقراطي”، فإن من الجدير إعادة النظر في المناهج والمقاربات وأساليب تناول الموضوعات، وربما الأهم هو إشراك القوى المجتمعية والشبابية فعليًا. هناك حاجة ماسة لحوارات قاعدية مجتمعية وحوارات يغلب فيها صوت الشباب.
٥. القواعد الاجتماعية، في تمظهراتها المتعددة، تكاد تكون مستبعدة تماماً من المشاركة في الحوارات التي تنظمها المجموعات الفكرية المختلفة. هذه الحوارات تظل شبه محتكرة لصفوة المثقفين والقوى السياسية والحزبية، والمجموعات الموسومة بالقوى المدنية، مما يحد من تأثيرها. والتمثيل المجتمعي هنا غالبًا ما يُختصر في قوى مدينية حضرية، بينما المجتمع المدني أوسع، ويشمل الريف والحضر على حد سواء.
فمصطلح “القوى المدنية” صيغ خلال ثورة ديسمبر ليعبر عن التشكيلات المجتمعية غير المنظمة حزبياً، بخلاف مصطلح “القوى الحديثة” الذي استخدمته قوى انتفاضة أبريل ١٩٨٥.
٦. وبينما يمثل الشباب ٦١٪ من سكان البلاد، وهم من قادوا ثورة ديسمبر فعليًا، فإنهم يُستبعدون من مراكز التفكير والمساهمة في الشأن العام. وقد علمتُ من منظمي المنتدى أن عدد الشباب المدعوين لا يتجاوز ستة أشخاص (أي ١٥٪ من الحضور). ورغم ذلك، سرّني انتباه المنظمين إلى هذه المسألة وتأكيدهم تنظيم لقاء لاحق يعكس نسبة تمثيل منصفة للشباب.
٧. الأجندة الأربع المطروحة للحوار، وإن كانت مترابطة، إلا أنها تبدو منفصلة من حيث المعالجة، وتركز على مظاهر الأزمة (الأيديولوجيات الشمولية، التهميش، عسكرة الحياة العامة) دون التطرق إلى جذورها. والسؤال هو: هل هذه المظاهر تمثل الأسباب الحقيقية للحرب، أم أنها أعراض لغياب المشروع الوطني والعقد الاجتماعي؟
٨. الحرب الحالية أفرزت تحديات تهدد بقاء الدولة السودانية، وتستدعي تحولًا جذريًا في التفكير، وتجاوزًا للمقاربات التقليدية، ووضع أجندة جديدة يشارك الشباب والمجتمع في صياغتها. وقد ناقش ملتقى نيروبي ٢٠١٧ موضوعات مشابهة حول علاقة الدين بالدولة وحقوق المواطنة، وكان من الأفضل الاستفادة من خلاصاته.
إذا كانت هذه الحرب تفتح بابًا لتاريخ جديد، فإن على السودانيين الإجابة على السؤال الجوهري: لماذا فشلت كل محاولات التغيير السابقة؟ لماذا تعثرت ثلاث انتقالات ثورية وانتقال سياسي سلمي بعد اتفاقية السلام؟ مقارنة بتجارب أفريقية أخرى، نجد دولاً طوت صفحات حروبها بالتطور الدستوري لا بالثورات.
فلعل في هذه الحرب درساً يدفع القوى السياسية والمدنية والمجتمعية لتجاوز أخطائها القديمة، خاصة في طريقة إدارة الفترات الانتقالية. وعلى الرغم من وفرة التحليلات حول تجارب الانتقال، إلا أن مراجعتها بعمق وبمنهج علمي يظل ضرورة.
أقترح أن يعهد هذا المنتدى إلى مجموعة بحثية مستقلة تضم خبراء في السياسة والاجتماع والاقتصاد، تبتعد عن الانحيازات الفكرية، وتجيب على سؤال محوري: لماذا تتعثر كل انتقالاتنا في تحقيق التحول الديمقراطي الذي ينشده السودانيون؟ مع عرض خلاصاتها في محافل مفتوحة بمشاركة الشباب والقوى المجتمعية والأهلية.
