في دارفور، السودان، أصبح الاختطاف سلاحًا من أسلحة الحرب

“هرب السكان من مخيم زمزم للنازحين في شمال دارفور بعد هجوم شنته قوات الدعم السريع في 15 أبريل 2025.”

تقرير مترجم للصحفي عيسى دفع الله – كمبالا،يوغندا

في صباح الخامس من فبراير، غادر عبد العزيز سليمان منزله لشراء بعض المواد الغذائية من السوق في مسقط رأسه “الضعين” بشرق دارفور. لم يعد قط.

آخر مرة سمعت أسرته منه كانت في 11 أبريل، حين اتصل رجال قالوا إنهم اختطفوه، ووجّهوا إنذارًا: أمام الأسرة 48 ساعة لدفع 259 مليون جنيه سوداني (حوالي 430 دولار) – أي ما يعادل 350 ضعف دخلهم السنوي مجتمعين – أو سيتم قتله.

قالت زوجته، حياة سليمان عيسى، وهي تمسح دموعها داخل منزلها المتواضع وسط أطفالها الخمسة: “لم يكن لدينا المال، ولا أعلم إن كان حيًا أم ميتًا”.

تمثل معاناة هذه الأسرة جزءًا من نمط مقلق ينتشر في دارفور، الإقليم الواقع غرب السودان، حيث أصبح الاختطاف المنهجي سمة وحشية من سمات الحرب الأهلية المستمرة. ومع دخول الصراع بين قوات الدعم السريع شبه العسكرية والقوات المسلحة السودانية عامه الثالث، أصبحت المناطق الخاضعة لسيطرة الدعم السريع بؤرًا ساخنة لعمليات الخطف.

نظام للخوف والربح

قال عبد القادر سليمان، شقيق عبد العزيز، إن الخاطفين لم يصرحوا بأنهم من قوات الدعم السريع، لكنهم أبلغوا الأسرة أن الفدية هي “تعويضات” عن خسائر تكبدتها قوات الدعم السريع في معركة حديثة.

لم يتمكن مراسل “المونيتور” من التحقق بشكل مستقل من رواية الأسرة أو غيرها من الحالات الواردة في التقرير، لكن هذه القصص تتطابق مع وقائع مشابهة وثقها ناشطون محليون ومنظمات حقوقية، إضافة إلى منشورات أسر الضحايا على وسائل التواصل الاجتماعي.

تشير الطبيعة المتكررة لهذه الحوادث إلى أن قوات الدعم السريع – المتهمة بالفعل بارتكاب عنف عرقي وجرائم حرب أخرى – تموّل عملياتها جزئيًا عن طريق احتجاز المدنيين مقابل فدية. وقد نفت المجموعة هذه الاتهامات.

يقول درار آدم درار، الشريك المؤسس لشبكة حقوق الإنسان والمناصرة من أجل الديمقراطية (HAND) في دارفور: “حوّلت قوات الدعم السريع عمليات الاختطاف إلى تجارة”.

ومع دخول الحرب الأهلية في السودان عامها الثالث، أجبرت على نزوح حوالي 15 مليون شخص – أي ما يقارب ثلث سكان البلاد – من منازلهم. وفي دارفور، يواجه من تبقى القصف والعنف العرقي والمجاعة، وأصبح الخطف مصدر رعب إضافي.

يقول خبراء إن قوات الدعم السريع تستهدف بشكل خاص غير العرب للاختطاف، وهو ما يعيد إلى الأذهان الفظائع التي أدت إلى نشأة هذه الجماعة قبل عقدين، حين أطلقت الحكومة السودانية ميليشيات عربية تُعرف بـ”الجنجويد” ضد المجتمعات غير العربية في دارفور، ما أسفر عن مقتل مئات الآلاف وتشريد الملايين، في ما وصفته الولايات المتحدة ودول أخرى بأنه “إبادة جماعية”. لاحقًا، تم دمج هذه الميليشيات رسميًا في قوات الدعم السريع تحت قيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي).

والآن، مع سيطرة قوات الدعم السريع مجددًا على دارفور، يرى العديد من المحللين والنشطاء أن عمليات الخطف ليست فقط وسيلة لتمويل الحرب، بل أيضًا جزء من حملة غير رسمية للتطهير العرقي.

يقول الصحفي والمحلل السياسي من دارفور علي منصور: “مع كون معظم الضحايا من مجموعات عرقية إفريقية محددة، فإن الأمر ليس مجرد فدية، بل هو حرب ديموغرافية”.

“مطاردون ومنسيون”

في منتصف ديسمبر 2024، كان عامل المناجم عثمان عبد الجبار في إجازة بمسقط رأسه نيالا، حين يقول إن سبعة رجال يرتدون زي قوات الدعم السريع خطفوه من موقف الحافلات. تم تعصيب عينيه بقميصه، وألقي به في مركبة نُقلته إلى مركز احتجاز مؤقت.

كان المبنى عبارة عن شقة قذرة، حيث تم احتجاز نحو 20 رهينة موزعين على خمس غرف. قال له بعضهم إنهم محتجزون هناك منذ أكثر من شهرين. وذكر عبد الجبار أن الظروف كانت بائسة، إذ كان يُقدَّم لهم وجبة واحدة فقط في اليوم، ويُستخدم جركن في الغرفة كمرحاض جماعي.

لاحظ عبد الجبار أن إحدى الغرف كانت تُستخدم كمركز اتصالات، حيث كان الخاطفون يتمتعون بخدمة إنترنت وهاتف مستقرة للتواصل مع عائلات الضحايا، في تناقض صارخ مع انقطاع الاتصالات المتعمد الذي تفرضه قوات الدعم السريع في معظم أنحاء دارفور.

في مساء اليوم الذي أُحضر فيه عبد الجبار إلى مكان الاحتجاز، يقول إن المقاتلين طلبوا 5 ملايين جنيه سوداني (حوالي 8,300 دولار) مقابل إطلاق سراحه. وبعد مفاوضات محمومة، تمكنت أسرته من جمع مليوني جنيه، فأُفرج عنه في اليوم التالي.

قال بهدوء: “أخبرني رهائن آخرون أن من لم يستطع دفع الفدية قُتل”.

وفي مقابلة صحفية، نفى المتحدث باسم قوات الدعم السريع إبراهيم مخاير أن تكون المجموعة تحتجز أي مدنيين، وأكد أن الوضع الأمني في دارفور يتحسن.

لكن الضحايا يقولون غير ذلك. ففي الضعين، ذكر صيدلي – طلب عدم الكشف عن هويته لدواعٍ أمنية – أنه احتُجز لأكثر من شهر في ظروف لا إنسانية على يد قوات الدعم السريع، حتى دفعت أسرته فدية قدرها 45 مليون جنيه سوداني (حوالي 75 ألف دولار).

وفي الوقت نفسه، انتشر مؤخرًا مقطع فيديو على الإنترنت يُظهر رجلًا مختطفًا في مدينة زالنجي بدارفور يتعرض للتعذيب على يد عناصر ميليشيا محلية موالية لقوات الدعم السريع. وطُلب من أسرته دفع 10 ملايين جنيه. وفي مقطع آخر متداول، يُظهر رجلًا يتعرض للضرب بينما يطالب الخاطفون بفدية فلكية تبلغ 30 مليار جنيه (50 الف دولار).

يقول المحلل السياسي علي منصور: “هذه ليست حالات فردية خارجة عن السيطرة، بل منظمة ومنهجية، وتعكس انهيار الدولة بالكامل”.

ويضيف عبد الباسط الحاج، وهو محامٍ سوداني مختص في الجرائم المرتكبة خلال صراع دارفور، أن “هذه الاعتقالات والابتزازات غير القانونية، عندما تُمارس بشكل ممنهج أثناء النزاع، تُعد جريمة حرب، وربما جريمة ضد الإنسانية”.

ومع عدم وجود مؤشرات على تراجع الحرب، يأمل درار من شبكة (HAND) أن يؤدي الضغط الدولي إلى وقف هذه الجرائم، قائلًا: “نحن بحاجة ماسة إلى استجابة عالمية. إن مدنيي دارفور يتعرضون للمطاردة والنسيان”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *