زيادات مرتقبة في المرتبات بموازنة ٢٠٢٦… جبريل إبراهيم يشرح أسباب تراجع الجنيه وسياسات الذهب وعودة الحكومة إلى الخرطوم

كشف وزير المالية السوداني د. جبريل إبراهيم عن توجه الحكومة لإقرار زيادات في الأجور على المستوى الاتحادي ضمن موازنة عام ٢٠٢٦، مع توقع أن تسير الولايات في الاتجاه نفسه وفق إمكاناتها، مؤكداً أن تحسين القوة الشرائية للمواطن يمثل تحدياً محورياً في ظل استمرار الحرب وتداعياتها الاقتصادية.

جاء ذلك خلال حوار مطوّل في حلقة ثانية من بودكاست «الشبكة» الذي تقدمه الإعلامية عفراء عبدالرحمن، تناول ملفات الاقتصاد ومعاش الناس، وسعر الصرف، وسياسات الذهب، والتوظيف، وموازنة العام الجديد، إضافة إلى عودة الحكومة إلى الخرطوم والعلاقات مع المؤسسات المالية الدولية.

تراجع الجنيه وارتفاع الدولار: الحرب وتعطل الإنتاج

أرجع إبراهيم تدهور قيمة الجنيه السوداني وارتفاع سعر الدولار إلى امتداد الحرب لفترة أطول مما كان متوقعاً في بدايتها، موضحاً أن كثيرين ظنوا أن الحرب ستنتهي خلال أسابيع أو أشهر قليلة، ما حال دون اتخاذ قرارات مبكرة تتعلق بالنزوح أو نقل رؤوس الأموال أو إعادة ترتيب النشاط الاقتصادي.

وأوضح أن استمرار الحرب أدى إلى تعطل قطاعات الإنتاج والصناعة وخروج رؤوس أموال إلى الخارج، وهو ما لا يتم – بحسب قوله – إلا عبر شراء العملات الأجنبية، ما زاد الطلب عليها بصورة كبيرة مقابل ضعف المعروض، الأمر الذي انعكس مباشرة على سعر الصرف.

الاستيراد والمشتقات البترولية: ضغط إضافي على النقد الأجنبي

قال وزير المالية إن تعطل مصفاة الخرطوم/الجيلي أجبر البلاد على استيراد كامل احتياجاتها من المشتقات البترولية، ما شكّل ضغطاً إضافياً على العملات الأجنبية. وأضاف أن سلعاً كانت تُنتج محلياً قبل الحرب اضطرت الدولة إلى استيرادها من الخارج، وهو ما فاقم الطلب على الدولار.

وفي المقابل، أشار إلى أن الإنتاج الزراعي خلال سنوات الحرب كان أفضل من سنوات ما قبل الحرب من حيث المساحات المزروعة، وساهم في توفير الغذاء للمواطنين “بصورة معقولة”، وفق تعبيره.

الذهب وسياسات الصادر: من الاحتكار إلى المراجعة

وفي ما يتعلق بملف الذهب، أوضح إبراهيم أن الذهب ظل مورداً مهماً للنقد الأجنبي، رغم أن أغلب إنتاجه يتم عبر التعدين التقليدي. وأشار إلى أن الدولة سعت في مرحلة سابقة إلى احتكار شراء وتصدير الذهب للحد من التهريب وضمان دخول العائدات عبر القنوات الرسمية.

غير أنه أقر بأن التجربة واجهت صعوبات تنفيذية، سواء من حيث استجابة القطاع الخاص أو قدرة الدولة على شراء الذهب بالكميات والسرعة المطلوبتين، ما استدعى مراجعة السياسة وفتح باب التصدير للقطاع الخاص شريطة الالتزام بالقنوات الرسمية، مع استمرار الدولة كمشترٍ ومصدر في السوق.

وأكد الوزير أن مكافحة التهريب لا يمكن أن تعتمد على المعالجات الأمنية وحدها، مشدداً على أن السياسات الجاذبة للمنتج هي المدخل الأساسي لضبط الصادر.

الوظائف والأجور: زيادة مرتقبة وتحديات واقعية

وتطرق الحوار إلى إعلان ولاية الخرطوم فتح نحو ٢٠٠٠ وظيفة للمعلمين، في ظل ضعف المرتبات. وقال إبراهيم إن الإقبال على هذه الوظائف يؤكد أن الوظيفة ما زالت مهمة في معاش الناس، حتى وإن كانت الأجور محدودة.

وأكد أن الحكومة، رغم شح الإمكانات، ترى أن التوظيف في الخدمة العامة ضرورة لمحاربة البطالة وتجديد الدماء في مؤسسات الدولة ومواكبة التطور التقني، مشيراً إلى أن موازنة ٢٠٢٦ ستتضمن زيادات جديدة في الأجور، دون تحديد نسبها في الوقت الحالي.

أوضاع الموظفين والإجازات بدون مرتب

نفى وزير المالية وجود قرارات اتحادية بفرض إجازات بدون مرتب على الموظفين، موضحاً أن أي إجازة من هذا النوع تتم برغبة الموظف فقط. وأقر في الوقت نفسه بوجود صعوبات تشغيلية ناتجة عن تمركز مؤسسات الدولة في بورتسودان، وعدم القدرة على استيعاب جميع العاملين في مواقع العمل الحالية، لا سيما في ظل العدد الكبير من الموظفين.

التنسيق مع بنك السودان: نفي التنافس

وحول العلاقة بين وزارة المالية وبنك السودان المركزي، نفى إبراهيم وجود أي تنافس بين المؤسستين، مؤكداً وجود تنسيق واجتماعات دورية لضمان انسجام السياسات المالية والنقدية، وقال إن أي اضطرابات سابقة في السياسات جرى تجاوزها، وإن الجانبين يعملان حالياً “على إيقاع واحد”.

ملامح موازنة ٢٠٢٦: الحرب والخدمات وإعمار الخرطوم

قال الوزير إن موازنة عام ٢٠٢٦ ستبقي على الأولويات الأساسية، وفي مقدمتها المجهود الحربي، ودعم الصحة والعمل الإنساني، ومساندة العائدين للاستقرار والعودة إلى الإنتاج. وأوضح أن إعادة إعمار الخرطوم أُدرجت كبند رئيسي، وتشمل إعادة الكهرباء والمياه والصرف الصحي، ومكافحة الأوبئة، وإزالة مخلفات الحرب، مؤكداً أن كلفة هذه الجهود “كبيرة”.

المؤسسات المالية الدولية: دعم عبر وكالات الأمم المتحدة

وفي ما يخص العلاقات الخارجية، أشار إبراهيم إلى عودة تواصل المؤسسات المالية الدولية مع السودان بعد فترة من القطيعة، موضحاً أن الدعم يتم عبر منح تُنفذ بواسطة وكالات الأمم المتحدة، وتُخصص لقطاعات الصحة والتعليم والزراعة والحماية الاجتماعية، دون أن تُحوّل مباشرة إلى حسابات الحكومة.

عودة الحكومة إلى الخرطوم: أثر اقتصادي ورمزي

وأكد وزير المالية أن عودة الحكومة إلى الخرطوم سيكون لها أثر اقتصادي مباشر، لارتباطها بعودة النشاط التجاري وطمأنة المستثمرين، إلى جانب بعدها الرمزي. وتوقع انتقالاً شبه كامل لمؤسسات الدولة إلى العاصمة مع بداية عام ٢٠٢٦، رغم التحديات المتعلقة بالبنية التحتية والأمن وحركة الطيران

خلاصة

خلص وزير المالية إلى أن التعافي الاقتصادي الكامل يظل مرهوناً بتوقف الحرب، لكنه شدد على أن الحكومة تعمل حالياً على الحفاظ على مستوى معقول من الخدمات الأساسية، وتحسين الأوضاع المعيشية تدريجياً، إلى حين تهيؤ الظروف لمرحلة تعافٍ أوسع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *