من باب المندب إلى دارفور: حين تنكشف أوهام النفوذ وتتصادم المشاريع

صلاح يعقوب – محلل سياسي

لو أردت أن تبحث عن الرابط الحقيقي بين ما يجري في اليمن وما يحترق في دارفور، فلن تجده في نشرات الأخبار ولا في البيانات الدبلوماسية، بل في تلك المسافة الصامتة بين البحر والخريطة. هناك، حيث تُرسم المشاريع بعيداً عن ضجيج الشعارات، يتحول اليمن والسودان إلى مسرح واحد، تتبدل فيه الأسماء وتبقى القواعد ذاتها.

ما حدث أخيراً بين السعودية والإمارات في اليمن لم يكن خلافاً عابراً ولا سوء تفاهم ميدانياً. كان لحظة انكشاف. لحظة أدرك فيها الجميع أن التحالف الذي بدا صلباً لسنوات، كان في الحقيقة قائماً على أهداف متناقضة. السعودية، بعد عقد من الاستنزاف، وصلت إلى قناعة بسيطة لكنها مكلفة: الفوضى المفتوحة أخطر من دولة ضعيفة لكنها موحدة. الإمارات، على الجانب الآخر، واصلت الرهان على نموذج مختلف، نموذج يقوم على تفكيك الواقع إلى وحدات أصغر، مجالس انتقالية، قوى محلية مسلحة، وموانئ تُدار بمعزل عن الدولة.

هذا النموذج لم يُبتكر في اليمن، بل جرى اختباره هناك، ثم نُقل كما هو إلى السودان. في دارفور تحديداً، لم تكن مليشيا الدعم السريع مجرد نتاج صراع داخلي، بل أداة في مشروع أوسع. الفكرة لم تكن إسقاط مدينة أو هزيمة جيش، بل إنهاك دولة كاملة، ودفعها إلى حالة سيولة طويلة العمر، يصبح فيها السلاح بديلاً عن السياسة، والخراب بديلاً عن الحكم.

كثيرون داخل السودان، بل وخارجه، أخطأوا قراءة هذه اللحظة. ظنوا أن ما يجري هو صراع جنرالات، أو حرب بين مركز وهامش، أو مواجهة بين عسكر ومدنيين. هذه قراءة مريحة لكنها قاصرة. ما يجري في دارفور هو فصل من كتاب إقليمي عنوانه السيطرة على البحر الأحمر، لا عبر الجيوش النظامية، بل عبر تفكيك الدول المطلة عليه من الداخل.

هنا بالضبط يظهر العامل الإسرائيلي، لا كطرف ظاهر، بل كظل استراتيجي طويل. إسرائيل لا تحتاج إلى أن تطلق رصاصة واحدة في دارفور أو اليمن. يكفيها أن ترى الدول الكبيرة تُستنزف، والجيوش تُنهك، والمجتمعات تُدفع إلى صراعات لا تنتهي. باب المندب، ساحل البحر الأحمر السوداني، جنوب اليمن… كلها نقاط في معادلة واحدة هدفها النهائي تأمين الممرات البحرية، وتحييد أي عمق عربي أو أفريقي قد يتحول مستقبلاً إلى عامل ضغط.

في هذا السياق، تصبح دارفور أكثر من مجرد إقليم منكوب. تصبح عقدة. إذا انفرطت، انفتح السودان كله على سيناريو التفكيك الناعم. وإذا صمدت، تعطلت السلسلة بأكملها. لذلك كان العنف هناك مفرطاً، والرسائل دموية، ومحاولات كسر الإرادة لا تتوقف. لم يكن المطلوب فقط السيطرة، بل إنتاج مثال: هكذا يكون مصير من يرفض الدخول في معادلة الفوضى المُدارة.

أما الخطأ الأكبر، فهو خطأ النخب السودانية. تلك النخب التي خاطبت الخارج بلغة الأخلاق، بينما كان الخارج يتحدث بلغة المصالح. طالبت بالوساطة، في وقت كان فيه بعض الوسطاء جزءاً من المشكلة. انشغلت بصراعات الخطاب، ونسيت أن الجغرافيا لا تنتظر البيانات. لم تفهم أن الحياد في لحظة إعادة رسم الإقليم ليس فضيلة، بل فراغ يُملأ بالقوة.

اليمن اليوم يرسل إشارة واضحة: الاستثمار في الفوضى له عمر افتراضي. حين تتصادم المشاريع، يسقط الوهم أولاً. والسودان، برغم كل ما يدفعه من ثمن، يقف عند لحظة مشابهة. إما أن يُقرأ بوصفه دولة يجب الحفاظ عليها، أو يُترك ليصبح ساحة مفتوحة لتجارب الآخرين.

الحروب لا تُحسم بمقاطع الفيديو، ولا تُدار بالوعود السهلة، ولا تنتصر فيها المليشيات لأنها قوية، بل لأنها تُترك طويلاً بلا كلفة سياسية. الفاشر سقطت بالفعل، لا لأن الدعم السريع امتلك شرعية أو مشروعاً، بل لأن الإقليم تُرك وحيداً في لحظة فاصلة. لم يتبقَّ من دارفور اليوم سوى أقصى الشمال الغربي، مناطق الزغاوة، حيث تقف مجتمعات كاملة في مواجهة مصير يُراد تعميمه. هناك، عند حدود الصحراء، يتكثف السؤال الحقيقي لهذه الحرب: هل يُراد للسودان أن يُكسر بالكامل، أم أن ما تبقى من الجغرافيا والذاكرة قادر على تعطيل مشروع التفكيك، ولو من أطراف الخريطة ؟

ما يتوجب على الحكومة السودانية اليوم ليس تكرار الخطاب نفسه بوجوه مختلفة، بل الاعتراف بأن الأدوات التي خيضت بها المعركة السياسية حتى الآن كانت أضعف من حجم التحدي. المشكلة لم تكن في غياب الموقف، بل في غياب الجهاز القادر على تحويل الموقف إلى ضغط فعلي. وزارة الخارجية، التي تغيّر وزيرها ثلاث مرات خلال أقل من عامين، تحولت إلى مؤسسة تُدير ردود أفعال لا مبادرات، وتُصدر بيانات أكثر مما تُنتج مسارات. في حرب تُدار بالخرائط والتحالفات، لا تكفي اللغة العامة ولا الرسائل المكررة، بل يحتاج السودان إلى دبلوماسية حرب حقيقية: فرق مختصة، ملفات موثقة، مخاطبة دقيقة لكل عاصمة وفق مصالحها، لا وفق ما نأمله منها.

أما ما لم يُنجز بعد، فهو توظيف الوقائع على الأرض كسلاح سياسي. ما حدث في دارفور لم يُترجم حتى الآن إلى تكلفة واضحة على داعمي الفوضى. لا عقوبات، لا عزلة، ولا حتى إحراج جدي في المحافل الدولية. الحكومة مطالَبة بالخروج من منطق “التوضيح” إلى منطق “التسمية”، ومن سرد المأساة إلى ربطها بمصالح الدول التي تدّعي القلق. هذه ليست معركة أخلاق، بل معركة أدوات. ومن لا يمتلك أدوات الضغط، سيظل يشرح مأساته للعالم بينما يُعاد رسم بلده على الطاولة نفسها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *