أكد نائب رئيس مجلس السيادة، الفريق مالك عقار إير، أن الحرب الدائرة في السودان منذ أحداث ١٥ أبريل ليست حرباً أهلية ولا «صراعاً بين جنرالين»، بل هي حرب وجودية تستهدف السودان شعباً ودولةً، وتدار من الخارج عبر ما وصفه بـ«دولة صغيرة الحجم كبيرة الإمكانات» ذات نفوذ واسع في الموانئ الإفريقية والدولية، في إشارة صريحة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة.
وأوضح عقار، في حوار مطوّل مع التلفزيون القومي نُقل عبر وكالة السودان للأنباء (سونا)، أن هذه الحرب «فُرضت على الشعب السوداني»، وأن الهدف منها – بحسب وصفه – «تغيير ديمغرافي واستيطان ووضع السودان تحت حكم أجنبي، إما بالوكالة أو بالأصالة»، معتبراً أن ما يجري «ليس صراعاً على السلطة بين قيادات عسكرية، بل معركة على بقاء الدولة السودانية موحّدة».
الحرب بين سرديات الخارج وواقع الميدان
انتقد نائب رئيس مجلس السيادة التوصيفات المتداولة في العواصم الغربية والإقليمية التي تقدّم ما يجري في السودان على أنه «حرب بين جنرالين» أو «حرب أهلية»، معتبراً أن هذه العبارات «تخدم أجندات محددة» للقوى التي تروج لها.
وقال إن بعض القوى الدولية تخاطب الرأي العام الغربي بخطاب «الديمقراطية والتحول الديمقراطي»، بينما تخاطب دول الخليج والعالم العربي بخطاب «مخاوف الإسلام السياسي وتاريخه في السودان»، مشيراً إلى أن الإسلاميين حكموا البلاد لفترة «ويتحملون نصيبهم من المسؤولية»، لكنهم «ليسوا اليوم في سدة الحكم»، ما يجعل من هذه الذريعة – في رأيه – مجرد «عنوان للاستخدام السياسي».
وبيّن عقار أن توصيف الحرب بأنها «بين الهامش والمركز» أو «ضد دولة ٥٦» (في إشارة إلى دولة ما بعد الاستقلال) يتجاهل، بحسب تعبيره، أن كل مكونات السودان شاركت بشكل أو بآخر في صناعة الواقع الحالي، وأن «المسؤولية التقصيرية» عن ما حدث «تطال الجميع، من النخب السياسية والعسكرية إلى القوى الاجتماعية».
ليست امتداداً للحروب الأهلية السابقة
فرّق الفريق مالك عقار بين الحرب الحالية والحروب الأهلية التي عرفها السودان منذ ١٩٥٥، والتي أسفرت – كما قال – عن توقيع نحو ٤٦ اتفاقية سلام بين ١٩٧١ وحتى اليوم، معتبراً أن تلك الحروب كانت ذات طابع مناطقي واضح، تطالب فيها حركات مسلحة بحقوق دستورية أو ترتيبات سياسية في أقاليم محددة.
وأشار إلى أن الاتفاقيات السابقة، رغم كثرتها، «عالجت مشكلة وقف العنف ولم تعالج جذور المشكلة السودانية»، التي لخصها في «سوء إدارة التعددية وغياب العدالة الاجتماعية»، مؤكداً أن تحقيق العدالة الاجتماعية هو المدخل الحقيقي إلى ديمقراطية مستقرة وسلام دائم.
أما الحرب الراهنة، فيرى عقار أنها «حرب خارجية تدار بأدوات داخلية»، قائلاً إنها تحولت إلى «حرب تُموَّل وتُسند من دولة تمتلك موارد ضخمة وقدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي عبر التحكم في أسعار الطاقة، ولديها شبكة واسعة من الموانئ الإفريقية والدولية»، في إشارة إلى الإمارات التي وصفها بأنها «إمبراطورية موانئ وليست مجرد دويلة صغيرة كما يظن البعض».
المليشيا بين الدعم الخارجي وفشل الانضباط الميداني
وتحدث نائب رئيس مجلس السيادة عن القدرات العسكرية للمليشيا المتمردة، مشيراً إلى أنها تمتلك «تسليحاً نوعياً يتفوق على بعض جيوش المنطقة، وخط إمداد مستمراً»، لكنه رأى أن الفارق الحاسم كان في «عقيدة الجيش السوداني الدفاعية وقدرته على امتصاص الصدمة الأولى ثم الانتقال إلى الدفاع الهجومي المتقدم».
وأكد أن المليشيا ترتكب، بحسب وصفه، «انتهاكات جسيمة بحق المدنيين»، من قتل ونهب واغتصاب وانتهاك للنسيج الاجتماعي، مذكّراً بأن الحروب الأهلية السابقة في السودان «لم تشهد هذا الحجم من الانتهاكات المنظمة والمنهجية ضد المدنيين»، وأن ما يجري اليوم «غريب على الثقافة السودانية ومرفوض مجتمعياً».
من إدارة الحرب إلى التخطيط لما بعدها
وشدد عقار على أن الدولة «لم تتوقف يوماً عن التفكير في ما بعد الحرب»، موضحاً أن الحكومة بدأت العمل من بورتسودان منذ اليوم التاسع للحرب، وأن مؤسسات الدولة استمرت في أداء أدوارها، ولو بحدها الأدنى، بما في ذلك التفكير في «كيفية تحويل هذه المحنة إلى فرصة لمراجعة الذات وتأسيس دولة جديدة على أسس مختلفة».
وقال إن الحرب أحدثت «تشوهات عميقة في النسيج الاجتماعي، وصعوداً لخطاب الكراهية والجهوية، وانتشاراً للسلاح خارج الأطر النظامية، إضافة إلى تفكك بعض الحركات المسلحة وانتشار مظاهر التسليح»، مؤكداً أن هذه الملفات «ستحتاج إلى معالجة شاملة» بعد توقف القتال، تبدأ – بحسب قوله – ببرامج مصالحة وطنية، وتقليل خطاب الكراهية، وجمع السلاح من أيدي المدنيين وحصره في يد القوات النظامية.
وأضاف أن حالة «الاستنفار الشعبي» الحالية مبررة دفاعاً عن الأرض والوحدة الوطنية، لكن «لا بد بعد الحرب من تشريعات واضحة تضمن أن يكون السلاح حكراً على القوات النظامية»، وأن ترافق ذلك «حملة توعية واسعة» لإقناع المجتمع بخطورة انتشار السلاح على الأمن والاستقرار.
لا «مرحلة انتقالية» بل «مرحلة تأسيس»
في محور المستقبل السياسي، أعلن نائب رئيس مجلس السيادة رفضه لمفهوم «المرحلة الانتقالية» بالصياغة المتداولة، معتبراً أن السودان «في حاجة إلى مرحلة تأسيس جديدة، لا مجرد انتقال بين سلطة وأخرى».
وأوضح أن ضعف الأحزاب السياسية الحالية وتآكل قواعدها بعد سنوات من المنع والتضييق والصراعات الداخلية، يجعل من الضروري – في رأيه – «إعادة بناء القوى السياسية والمدنية» لتكون قادرة على الإجابة عن السؤال الجوهري: «كيف يُحكم السودان؟» بدل الاكتفاء بسؤال «من يحكم السودان؟».
وأكد أن السودان لا يمكن أن يعود إلى «نفس الدورة التاريخية» التي عرفها منذ ١٩٥٥، من حروب أهلية وانقلابات وتسويات جزئية، مشدداً على ضرورة أن تبتكر البلاد «نظام حكم يناسب تركيبتها الثقافية والاجتماعية والجغرافية»، لا نسخاً لنماذج جاهزة من واشنطن أو ويستمنستر أو غيرهما.
الاعتراف بالمسؤولية المشتركة عن الفشل
انتقد مالك عقار ما وصفه بـ«ثقافة إلقاء اللوم على السابقين» التي سادت الخطاب السياسي السوداني لعقود، قائلاً إن البعض يحمّل اليوم الحرية والتغيير مسؤولية كل شيء، وهؤلاء بدورهم يحمّلون الإنقاذ، والإنقاذ حمّلت من قبل العهد الحزبي الأول… وهكذا.
وقال إن هذا المنهج «يعبر عن كسل وخمول ذهني»، لأن النخب الحالية «تبحث دائماً عن شماعة تعلق عليها أخطاءها»، بينما المطلوب – في رأيه – هو الاعتراف بأن «المسؤولية التقصيرية تقع على كل السودانيين بدرجات متفاوتة»، بما في ذلك الذين حاربوا أو عارضوا أو صمتوا.
وأضاف: «إذا اعترف كل سوداني بسهمه في الخطأ، سيكون مستعداً لتغيير سلوكه ومنهجه، أما من يظن نفسه معصوماً ويلقي كل اللوم على الآخرين، فسيكون في النهاية أسوأ ممن ينتقدهم».
الشباب والمرأة… طاقة مهدورة أو قوة بنّاءة
خصص نائب رئيس مجلس السيادة مساحة واسعة في حديثه لدور الشباب والمرأة، معتبراً أن تجاهل احتياجاتهم وتركهم في حالة فراغ و«طاقة سالبة» يدفع بعضهم إلى المخدرات أو العنف أو ظواهر اجتماعية مرفوضة، بينما تستطيع الدولة – لو أحسنت التخطيط – أن تحوّل هذه الطاقة إلى قوة بناء وتنمية.
ودعا إلى «برامج بديلة» للشباب، توفر لهم فرص التعليم والعمل والمشاركة في الشأن العام، بدلاً من الاقتصار على خطاب الوعظ أو القمع، مؤكداً أن التعامل مع الشباب والمرأة يجب أن يكون «جزءاً من رؤية شاملة لإدارة الدولة بعد الحرب، لا ملفاً هامشياً أو ظرفياً».
اتهام مباشر للإمارات… وصمت في مواجهة الأدلة
توقف عقار مطولاً عند ملف التدخلات الخارجية، مميزاً بين دول «متورطة مباشرة» في دعم المليشيا، وأخرى متورطة «بطريقة غير مباشرة» عبر السماح باستخدام مطاراتها أو أراضيها لمرور السلاح والمرتزقة.
وأشار إلى أن الحكومة السودانية قدّمت «ملفاً موثقاً لمجلس الأمن» يتضمن أدلة على تورط الإمارات في دعم المليشيا عسكرياً ولوجستياً، لكن «آليات العدالة الدولية» – على حد تعبيره – خضعت لمعادلات المصالح والقوة، ما أدى إلى «شطب الشكوى بحجج إجرائية».
ورغم ذلك، شدد على أن الخرطوم لا ترى فائدة في «فتح جبهات عداء مع كل الدول المتورطة»، بل تسعى – حيث أمكن – إلى «تحييد بعضها وكسب بعضها الآخر، أو على الأقل دفعها إلى موقف أقل عدائية»، مؤكداً أن طابع العلاقات الدولية اليوم «تحكمه المصالح القومية لا العواطف ولا الخطابة».
وكشف عقار عن لقاءات جرت في الولايات المتحدة ضمت وفداً حكومياً سودانياً ووفداً إماراتياً بحضور السعودية ومصر، قال إن الجانب السوداني قدّم خلالها «موقفاً واضحاً ومكتوباً»، لكن الوفد الإماراتي «التزم الصمت ولم يعلّق»، وهو ما اعتبره مؤشراً على «عدم استعداد أو عدم تفويض بالرد على جوهر الاتهامات السودانية»، على حد قوله.
خريطة الطريق السودانية… والبحث عن طرف تفاوضي حقيقي
أوضح نائب رئيس مجلس السيادة أن الحكومة ما زالت متمسكة بـ«خريطة الطريق» المبنية على مخرجات مسار جدة، مع استعدادها لـ«تحديث البنود التي تغيرت ظروفها العسكرية والسياسية» بما يتلاءم مع الواقع الميداني الراهن، مؤكداً أن هذه الخريطة تمثل – من وجهة نظر الخرطوم – «الإطار الأنسب» لوقف الحرب والعبور إلى تسوية سياسية.
لكن عقار أشار في الوقت ذاته إلى أن المشكلة الأساسية تكمن في «غياب طرف تفاوضي واحد يمكن مخاطبته»، موضحاً أن «قيادة المليشيا نفسها ليست صاحبة القرار النهائي»، وأن «دولاً ومرتزقة وقوى متعددة» تشارك في صناعة قرار الحرب، ما يجعل من أي حوار «حواراً بالوكالة مع أطراف خارجية، وليس تفاوضاً سودانياً خالصاً».
العلاقات الخارجية… المصالح لا العواطف
انتقد مالك عقار ما سماه «الذهنية الانهزامية» في بعض الأوساط السودانية التي تنتظر من دول أو تكتلات معينة أن «تقف تلقائياً مع السودان»، موضحاً أن كل دولة «تتحرك وفق مصالحها وأمنها القومي»، وأن على السودان أن «يسوّق موقفه بقوة وبالحقائق على الأرض، ويجعل الوقوف معه مصلحة لتلك الدول، لا مجرد تعاطف عاطفي».
وفي المقابل، ثمّن مواقف بعض الدول التي قال إنها وقفت بوضوح إلى جانب السودان منذ بداية الحرب، ومن بينها إريتريا، معتبراً أن التعامل مع هذه الدول يجب أن يتجاوز «خطاب الشكر» إلى «بناء شراكات استراتيجية حقيقية، قائمة على المصالح المتبادلة».
دعوة للتوحّد خلف الجيش وبرنامج سياسي واضح
في ختام الحوار، وجّه نائب رئيس مجلس السيادة رسالة إلى الشعب السوداني، أكد فيها ثقته بأن «الجيش السوداني لن يُهزم، وسينتصر في هذه المعركة الوجودية»، لكنه شدد على أن هذا الانتصار «مرهون بوقوف الشعب خلف قواته المسلحة وقيادتها».
وقال إن قيادة الجيش «ليست متمسكة بالسلطة لأجل السلطة»، بل إن واجبها الحالي «حسم الحرب، ثم إدارة عملية سياسية تنتهي بتسليم السلطة للشعب عبر انتخابات حرة، تحت رقابة محكمة عليا ومؤسسات حاكمة للقانون».
ودعا كل سوداني قادر على حمل السلاح إلى «الاستنفار للدفاع عن منطقته وأرضه»، مؤكداً أن المعركة «ليست معركة السودان وحده، بل معركة لها تأثيرات واسعة على إفريقيا والقرن الإفريقي والبحر الأحمر».
وختم عقار بالتأكيد على أن إعادة الإعمار وعودة الخدمات «أمر حتمي»، حتى وإن لم يعد كل شيء «كما كان»، لكنه عبّر عن أمله أن تكون نتيجة هذه الحرب «فتح بصيرة السودانيين على حب وطنهم، وعلى ضرورة التكاتف لتأسيس دولة جديدة تقوم على سيادة القانون والعدالة الاجتماعية، وتُنهي أسباب الحروب المتكررة والنزاعات العبثية»، داعياً القوى السياسية إلى «الاتفاق على حد أدنى من الثوابت الوطنية» بدلاً من «الشتات والمهاترات التي لا تبني دولة ولا تحفظ وطناً».
