الصحافة بين شرف المهنة وفوضى الميديا: دعوة للعودة إلى أخلاقيات الكلمة

آدم ابكر ناير – كاتب

  تُعدّ الصحافة من أنبل المهن، فهي السلطة الرابعة التي تراقب، تنبه، تنقل الحقيقة، وتخدم المجتمع. وُجدت لتكون صوتاً للناس، ومرآة للواقع، وجسراً بين المواطن وصانع القرار. ولكن، ومع تطور التكنولوجيا وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، باتت الصحافة تعاني من اختلاط المفاهيم، وتداخل الأدوار، بين الصحفي المهني و”ناشط الميديا”.

     الصحفي الحقيقي لا يولد من مجرد موهبة أو شغف، بل يُصقل من خلال تدريب، والتزام، واحترام للقانون. فالإنخراط في هذه المهنة يبدأ باجتياز “امتحان قيد الصحفي”، الذي لا يُعد إجراءً شكلياً، بل هو المدخل إلى منظومة مهنية تحكمها ضوابط قانونية وأخلاقية. من هذه الضوابط: الالتزام بالمصداقية، عدم الإساءة للآخرين أو انتهاك خصوصياتهم، وعدم نشر معلومات مغلوطة أو التحريض على الكراهية. كذلك يُحظر على الصحفي نشر أي مواد تمسّ الأمن القومي أو تهدد استقرار المجتمع.

     إلا أن الواقع اليوم يُظهر مشهداً مقلقاً. فقد تحوّل بعض من يستخدمون منصات التواصل الاجتماعي إلى “كتّاب رأي بلا مسؤولية”، يسيئون استخدام الكلمة، يروجون الشائعات، يزرعون الفتن بين أفراد المجتمع وقياداته، ويخترقون أسرار الدولة ومداولات مؤسساتها بحجة “حرية التعبير”.

     إن الحرية الإعلامية حقّ لا نقاش فيه، ولكنها حرية مشروطة بالمسؤولية. ليست حرية مطلقة كما يروّج البعض، بل هي حرية تحكمها القوانين، وتضبطها الأخلاق. فالمعلومة أمانة، ونشرها دون تحقق أو تمحيص لا يُعدّ شجاعة، بل تهوراً يهدد السلم الاجتماعي.

إن الصحافة ليست منبراً للفوضى أو وسيلة للابتزاز، بل هي رسالة نبيلة تتطلب وعياً، تدريباً، وتحلّياً بأخلاق المهنة. وما أحوجنا اليوم، وسط ضجيج المعلومات، إلى صحفيين حقيقيين يتمسكون بالمهنية، يميزون بين الرأي والخبر، ويضعون مصلحة الوطن والمواطن فوق كل اعتبار.

ختاماًِ، على من اختار أن يكون صحفياً أن يتذكّر دومًا أنه يحمل أمانة الكلمة، وسلاحه هو المصداقية، وأن الانزلاق إلى فوضى النشر بلا ضوابط لا يصنع صحفياً بل “ناشطاً بلا رقيب”، يُسهم في تقويض ثقة الجمهور بالمهنة، ويُضعف دور الإعلام كسلطة حقيقية في بناء المجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *