في تغريدة مطوّلة أثارت جدلاً سياسياً واسعاً، كشف رئيس حزب الأمة ورئيس تحالف التراضي الوطني مبارك الفاضل المهدي، عن ما وصفه بـ”المعلومة المفصلية” التي تجيب عن سؤال ظلّ معلقاً منذ أكثر من عام: من بدأ إطلاق النار في حرب 15 أبريل 2023؟
وقال الفاضل في إفادته على منصة “إكس” (تويتر سابقاً)، إن جميع المعطيات السابقة كانت تشير إلى توتر متصاعد بين الجيش وقوات الدعم السريع، لكن دون قرار مباشر بالحرب، حيث تمّ عقد لقاء مصالحة في مساء الجمعة 14 أبريل 2023 في منزل رجل الأعمال معاوية البرير، وجمع اللقاء كلاً من الفريق أول عبد الفتاح البرهان، قائد الجيش، ومحمد حمدان دقلو “حميدتي”، قائد الدعم السريع، وخلص الاجتماع إلى اتفاق مبدئي على سحب قوات الدعم السريع من مروي، وتحديد لقاء صباحي يوم السبت 15 أبريل لمتابعة التنفيذ.
لكن الفاضل أشار إلى أن هذا الاتفاق لم يُكتب له الاستمرار، إذ بدأت الحرب في الثالثة فجر السبت 15 أبريل، أي قبل اللقاء المرتقب بساعات، بهجوم شنّته وحدات من الجيش على المدينة الرياضية في الخرطوم.
واستند الفاضل في كشفه إلى شهادة اللواء الراحل عوض الكريم، قائد اللواء الأول مشاة بمنطقة الباقير، الذي أكد في لقاء مع قناة القوات المسلحة – قبل وفاته في ظروف وُصفت بالغامضة – أن قواته “انفتحت على المدينة الرياضية” في ذلك التوقيت المبكر، وهو ما يفسّر بدايات القتال العنيف الذي اندلع فجأة في العاصمة.
وأضاف الفاضل أن كبار قادة الجيش بمن فيهم البرهان ونائبه الفريق شمس الدين كباشي، وكذلك الفريق ياسر العطا، فوجئوا باندلاع الاشتباكات، ولم تكن لديهم أي خطة عملياتية لبدء حرب شاملة، مشيراً إلى أن البرهان “كان نائماً في بيته”، بينما توجّه العطا سيراً على الأقدام إلى سلاح المهندسين بعد سماعه صوت المدافع.
وقال الفاضل إن شهادات الوسطاء الذين تواصلوا مع الطرفين خلال الساعات الأولى للحرب أكدت أن البرهان وحميدتي وافقا على وقف إطلاق النار، لكن التواصل مع قائد العمليات في الجيش تعذّر لأن هاتفه كان مغلقاً.
وعليه، خلُص مبارك الفاضل إلى أن قرار الهجوم – وبالتالي تفجير الحرب – لم يكن قراراً مؤسسياً من قيادة الجيش، بل تم اتخاذه من قبل قيادات إسلامية داخل الجيش بأمر مباشر من قادة الحركة الإسلامية، وسَمّى بالاسم كلاً من علي كرتي وعلي عثمان محمد طه كمشتبهين بتوجيه القرار.
واختتم المهدي تغريدته بالدعوة إلى تشكيل لجنة دولية للتحقيق في ملابسات اندلاع الحرب، وتحديد المسؤولين عن إصدار الأوامر العسكرية دون مرجعية رسمية، تمهيداً لإحالتهم إلى المحكمة الجنائية الدولية، باعتبار أن ما جرى “جريمة ضد الدولة والشعب السوداني”.
تجدر الإشارة إلى أن مبارك الفاضل كان قد كشف في تغريدة أخرى نُشرت بتاريخ 4 يونيو الماضي، أنه زار دولة الإمارات العربية المتحدة رغم أن الزيارة كانت بمناسبة أسرية، إلا أن هدفها الحقيقي كان سياسيًا. وأوضح أن زيارته جاءت في سياق التصدي لما وصفه بـ”الجدّار الزائف” الذي بناه جناح الكيزان بقيادة علي كرتي لعرقلة العلاقة مع الإمارات، معتبرًا أن هذا التيار سعى لهدم علاقات اقتصادية واستراتيجية امتدت لنصف قرن. وأكد أن موقفه الرافض لاستمرار الحرب، والدعوة إلى وقف التدهور الإنساني في الجزيرة وسنار والنيل الأزرق، كان محل نقاش مع الجانب الإماراتي، الذي يرى أن له دورًا مهمًا في الدفع نحو السلام وإنهاء الحرب العبثية.
وتأتي هذه الإفادات في توقيت بالغ الحساسية، نظراً لمكانة مبارك الفاضل في المشهد السياسي السوداني، ولكونها تتناول وقائع مفصلية في بداية الحرب التي اندلعت في أبريل 2023. وقد تفتح هذه التصريحات الباب أمام مطالبات جديدة بالتحقيق المستقل في المسؤوليات السياسية والعسكرية عن اندلاع القتال، وسط استمرار الجدل المحلي والدولي حول أسباب الحرب ومسؤوليات الأطراف المختلفة فيها.
وفي السياق ذاته، شكك عدد من المحللين في دوافع مبارك الفاضل لاختيار هذا التوقيت بالذات للإدلاء بهذه الإفادات، لا سيما بعد زيارته الأخيرة إلى دولة الإمارات التي تُتهم بدعم قوات الدعم السريع. واعتبر هؤلاء أن روايته الجديدة تصبّ في مصلحة السردية التي تتبناها المليشيا، وهو ما يُعد تحولاً لافتاً في موقفه مقارنةً بتصريحاته في الأسابيع الأولى من اندلاع الحرب، حين كان يعبّر عن دعم واضح للجيش ورفضه لتمدد قوات الدعم السريع في العاصمة .
