شريف عبدالشافع المحامى – كاتب
قبل اجتياح مليشيا الدعم السريع لمدينة ودمدني قبل عام ونيف، سرت شائعات بأنها ستجتاح مدينة شندى، وتحسبت القوات المسلحة وأخذت تلك التهديدات محمل الجد، فعززت دفاعاتها للحيلولة دون ذلك، وتركت مدني مكشوفة الظهر لتستباح دون أدنى مقاومة وبخطى متسارعة لم يتوقعها أحد. وتداولت المجالس بأن ثمة مؤامرة وراء السقوط، ولا سيما أن المدينة محصنة بجسر حنتوب الاستراتيجي الذي اجتازته المليشيا دون أدنى مقاومة.
فالحرب خدعة، وحتى لو استبعدنا فرضية المؤامرة، سيظل هنالك تقصير في حماية ثاني أكبر مدينة بعد العاصمة المثلثة.
ذات الظروف والملابسات التي سبقت سقوط ودمدني ماثلة اليوم، وخاصة بعد التهديدات التي أطلقها عبدالرحيم دقلو باجتياح الولاية الشمالية بعدد ألفين عربة قتالية أعدها لذلك، رغم الشكوك الكثيفة حول هذا العدد من السيارات، لأن ظاهر الحال يكذب ذلك، فتجرع قواته للهزائم المتتالية وخروجها من العاصمة مخلفة ترسانتها من أحدث الأسلحة خير شاهد.
كل المعطيات لم تكن في صالح المليشيا، وبالذات في الوقت الراهن، لمجرد التفكير في مثل هذه الخطوة غير محسوبة العواقب. فإذا أرادت الهجوم على الولاية الشمالية، فلا شك أنها ستسلك الصحراء وفي منطقة مكشوفة، وبالتالي سيعرض قواته لنيران سلاح الجو قبل وصولها للهدف، ولا أحسب أنه يفكر في ذلك.
أغلب الظن أنه يرمي من وراء تصريحاته الهجوم على مدينة الفاشر، مستفيداً من العناصر التي انسحبت على مدار الأيام التي سبقت سقوط العاصمة في يد الجيش والقوات المساندة لها، للحفاظ على ماء وجهه وترضية الكفيل، وتنفيذ الخطة (ب) المتمثلة في السيطرة الكاملة على دارفور، واستخدامها ككرت ضغط للتفاوض، على غرار ما فعلته الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق.
ما ينبغي القيام به لإجهاض هذه المؤامرة الخبيثة والمدروسة بعناية، هو تسخير كافة الإمكانيات، وبذل كل الجهود، وإيلاء فك الحظر عن مدينة الفاشر وفي أسرع وقت، مع تسديد ضربات موجعة وخاطفة لتبخير أحلام آل دقلو.
هنالك أمر في غاية الأهمية يجب الانتباه إليه، ألا وهو أن المليشيا حاولت الاستفادة من عامل الزمن عندما علمت باقتراب الجيش والقوات المساندة من حصار العاصمة، فسارعت بإجلاء أكبر عدد من مقاتليها من العاصمة في شكل أسر مدنية وسيارات مدنية للتمويه، وأبقت على جيوب صغيرة للمناوشة بعد أن فقدت عدداً كبيراً من عناصرها في الهجمات المتكررة على مدينة الفاشر. فالمليشيا لم تخسر في كل السودان ربع ما فقدته بالفاشر من عناصر ومصادر، وهذه حقيقة لا ينكرها إلا مكابر. وبالتالي، وقفت الفاشر سداً منيعاً وتكسرت على أبوابها عتاد وعتاة المليشيا.
فحان الوقت لمكافأة الفاشر وأهل الفاشر على ما قدموه من تضحيات جسام، عرفاناً بالجميل وتقديراً لمجهوداتهم، ومنها ستشيع آل دقلو ودولتهم المزعومة إلى مزبلة التأريخ، فما قيمة تحرير الخرطوم ورأس الأفعى ينفث سمومه ويتوعد بالمزيد؟
الجميع شاهد كيف تمددت المليشيا بعد سقوط مدني، فهم يعدون لنفس السيناريو إذا ما استطاعوا من إسقاط الفاشر. فلا تحسبونهم سيكتفون بالفاشر.
الفاشر تستغيث… فهل من مجيب؟
