الهادي هبَّاني
لا يختلف اثنان بأن حرب الجنرالات اللعينة قد فرضت واقعا اقتصادياً معقدا تتلخص أهم ملامحه فيما يلي: أولا: توقف الإنتاج في كافة القطاعات الإنتاجية والخدمية المنظمة مما خلق شح في السلع والخدمات مع صعوبة وخطورة الحصول عليها الأمر الذي أدي إلي انخفاض العرض الكلي للسلع والخدمات ومضاعفة أسعارها لمستويات غير مسبوقة وغير محتملة. وقد فاقم توقف قطاع التجارة الخارجية حيث توقف التصدير ومصادر النقد الأجنبي الأخرى وتوقف الاستيراد علما بأن السودان نتيجة لتدهور القطاعات الإنتاجية أصبح يعتمد علي استيراد كل شيء تقريبا وأصبحت فاتورة الاستيراد تتجاوز ال 10 مليار دولار سنويا؟ ثانيا: توقف قطاع الدولة ومؤسساته الحكومية، والقطاع الخاص وتوقفت المرتبات والأجور ومصادر الدخل العادية وغير العادية للغالبية العظمي من الشعب وزيادة معدلات الفقر بوتيرة متسارعة وبمستويات غير مسبوقة. ثالثا: زيادة معدلات الهجرة القسرية من العاصمة للأقاليم ومن العاصمة للخارج، وقد شكل ذلك عبئا علي الأقاليم مع توقف قطاعات الإنتاج والخدمات والتجارة العامة وانخفاض أو انعدام معدلات الدخل للسكان المستضيفين والمهاجرين أنفسهم مما ضاعف معدلات البطالة القسرية نتيجة الهجرة إلي الأقاليم الآمنة والتي ستدفع حتما بقطاعات كبيرة من المهاجرين للعمل في الاقتصاد غير المنظم والأعمال الهامشية التي لا تساهم في الإنتاج السلعي والخدمي والتي من المتوقع ان تتطور إلي مراحل التشرد والنزوح. رابعا: فشل الموازنة العامة للدولة وتخصيص كل مواردها الشحيحة أصلا لتمويل الحرب التي يصعب تقدير تكلفتها اليومية برغم أن بعض الاقتصاديين قد قدروها بناءً علي افتراضات عامة غير دقيقة بما لا يقل عن 500 مليون دولار يوميا حسبما جاء في سكاي نيوز العربية بتاريخ 19 إبريل 2023م. ونتيجة ذلك توقف الصرف الجاري علي المرتبات والأجور، وعلي التعليم والصحة وغيرها من بنود الموازنة العامة. وعلي جانب الإيرادات فقدت الموازنة كل مواردها من المصادر الإنتاجية والخدمية الحقيقية ومن الضرائب ومن الاستدانة من النظام المصرفي ومن التمويل الخارجي. وفيما يلي تصوير للازمة الكارثية المفجعة من واقع أرقام الموازنة نفسها: 1- بلغت مخصصات الموازنة العامة للعام 2023م للجيش والجنجويد والأمن والاستخبارات شاملة شراء السلع والخدمات 1.2 تريليون جنيه ما يعادل حوالي 3.31 مليار دولار (علي أساس سعر تقديري 560 جنيه للدولار الواحد) منها مبلغ 1.3 تريليون جنيه لوزارة الدفاع والاستخبارات ما يعادل حوالي 2.31 مليار دولار تمثل ما نسبته 14.6% من إجمالي مصروفات الموازنة شاملة شراء السلع والخدمات (مرفق رقم 2 من موازنة 2023م صفحات 50، 55). وهذا يعني أن ما تم صرفه من الموازنة العامة علي الجيش شاملا الأمن والاستخبارات العسكرية والجنجويد أي علي طرفي الحرب من عرق الشعب السوداني وعلي حساب خدماته الأخرى من صحة وتعليم وغيرها من الخدمات الضرورية 1.2 تريليون جنيه ما يعادل 3.3 مليار دولار علماً بأن هذه المبالغ الضخمة بالتأكيد قد تم صرفها في الأيام الأولي من اندلاع الحرب. هذا غير المبالغ التي كانت مخصصة للشرطة والتي تم بالتأكيد تجييرها لتمويل الحرب والبالغة 638 مليار جنيه ما يعادل 1.14 مليار دولار. مع ملاحظة أن المخصصات التي كانت مرصودة للصحة بلغت فقط ما قيمته 212 مليار جنيه ما يعادل 378 مليون دولار وتمثل ما نسبته 2.3% فقط من إجمالي الموازنة، وأن المخصصات المخصصة للتعليم بلغت فقط 112 مليار جنيه ما يعادل 199.7 مليون دولار تمثل فقط ما نسبته 1.3% من إجمالي الموازنة وحتي هذه الأرقام المؤسفة وعلي شحها فهي بالتأكيد تم تخصيصها لتمويل الحرب أيضا وأصبحت المستشفيات والمؤسسات التعليمية بمختلف مراحلها خبراً بعد عين وأصبحت لا تقطنها إلا (الكدايس) التي بَشَّر بها المجرم حميدتي الشعب مهدداً أو أصبحت مساكن ومعسكرات لإدارة عمليات مليشيات الجنجويد التي بلغ حجم مخصصاتها في الموازنة لوحدها 565 مليار جنيه ما يعادل 1.01 مليار دولار. فإذا كانت هذه هي حجم المبالغ التي يتم دفعها من عرق الشعب السوداني الضحية الأولي والأخيرة لهذه الحرب اللعينة والتي تتجاوز ال 4 مليار دولار خلال الأيام الأولي فقط للحرب، فتصبح التقديرات التي تم احتسابها من بعض المصادر المشار إليها البالغة 500 مليون دولار تقريباً في اليوم الواحد تقديرات قليلة جدا لا تعكس حجم الصرف والدمار والتشريد والسرقة والنهب لأصول ومقتنيات الأفراد والمؤسسات والبنوك والمرافق الحكومية. 2- استهدفت الموازنة العامة للعام 2023م والذي مضي نصفه حتي الآن ونيران الحرب لا زالت مشتعلة ناتج محلي إجمالي 59.4 مليار جنيه بمعدل نمو حقيقي 1.4% وهو ما لم يتحقق منه شيئاً وأصبح مجرد أحلام غير قابلة للتحقيق حتماً. 3- استهدفت الموازنة صادرات بمبلغ 6.1 مليار دولار وواردات بقيمة 10.8 مليار دولار وعجز في الميزان التجاري 4.7 مليار دولار، وفي الحساب الجاري بقيمة 2.6 مليار دولار ولم يتحقق شيئا علي أرض الواقع أو فوق السماء غير السنة نيران ودخان الحرب، ومن المتوقع أن تكون نتائج التجارة الخارجية بنهاية العام الجاري نتائج كارثية غير مسبوقة في التاريخ. 4- استهدفت الموازنة معدل تضخم في حدود 89.8% بينما تجاوزت معدلات التضخم الحقيقية حتي تاريخ اليوم أرقاما فلكية يعجز الخبراء علي تقديرها اليوم. وبرغم زيادة الطلب علي العملة المحلية وانخفاض قيمة الدولار والعملات الصعبة الأخرى في السوق الموازي إلا أنه ومن المتوقع أن يقفز سعر الدولار في السوق الموازي بعد انتهاء الحرب لمعدلات مخيفة والذي انخفض حاليا نتيجة لتوقف عمليات الاستيراد وتركز الطلب علي الدولار في حدود طلب الأفراد لأغراض السفر والذي هو طلب محدود جداً يتناسب مع حجم مدخرات المواطنين الباحثين عن المغادرة والتي هي مدخرات محدودة جداً وتكاد تكون معدومة. وقد كان من المتوقع أن تصل فاتورة الاستيراد إلي حوالي 5.4 مليار دولار بحلول شهر يونيو الجاري ولم تتحقق. خامسا: تدمير العديد من المصانع والمخازن العامة والخاصة والمؤسسات الخدمية العامة والخاصة وتدمير وحرق العديد من الأسواق المحلية بعد حملة واسعة من النهب والسلب لهذه الأسواق. وتدمير أو تعطيل أو احتلال وتوقف العديد من المرافق العامة المزودة لخدمات الكهرباء والمياه والاتصالات والصحة والتعليم وصحة البيئة وغيرها من الخدمات الحكومية العامة. سادسا: توقف القطاع المالي والمصرفي ووقوع الاقتصاد في حالة مخاطر السيولة الحادة جداً للدرجة التي أصبح فيها توافر السيولة لدي أي شخص يمثل خطراً علي حياته جراء عمليات السلب والنهب المسلح من مليشيات الجنجويد التي تستهدف البيوت والمحلات التجارية والبنوك مستهدفة السيولة لسد حاجتها الماسة لتوفير امداداتها من الوقود والغذاء والسلاح والذخيرة نتيجة لضرب خطوط الامداد الخاصة بها وأيضا عمليات النهب التي تقوم بها عصابات النقرز أمام أعين الجنجويد. وأصبح معظم المواطنين بما فيهم الذين تأتيهم مساعدات من أقاربهم في الخارج يتعاملون بتطبيق بنكك في المعاملات اليومية وأصبح كل شئ تقريبا يتم الحصول عليه من خلال نظام بنكك برغم أنه يتعرض باستمرار للتعطل نتيجة لظروف الحرب. وحتي المواطنين الذين لا يملكون حسابات بنكك يستعينون في تعاملاتهم ومبادلاتهم بحسابات أقاربهم أو جيرانهم ومعارفهم وأصدقائهم. في ظل هذه الظروف الاقتصادية الكارثية تظل الدولة عاجزة تماماً عن تسيير حياة الناس أو دفة الاقتصاد وحتي مؤسساتها نفسها لجأت للهجرة إلي أقاليم أخري. وظل وزير المالية ومعه مجموعة من البطانة الفاسدة من السلطة غير الشرعية أصلاً حتي قبل الحرب للبقاء في بورتسودان للهيمنة علي المساعدات الأجنبية وللبحث عن مصادر تمويل جديدة لتمويل الحرب والوفاء باستحقاقات اتفاقية جوبا. أي أن الحكومة غير الشرعية الحالية هي غير أمينة علي حياة الناس وعلي رفع المعاناة عن كاهلهم وإيجاد حلول لتسيير دفة الاقتصاد والإحالة دون انهياره التام وهي تمثل أكبر جهة تسعي للاستفادة من ظروف الحرب لتمويل أنشطتها غير المشروعة. فلا زالت الدولة اليوم تعيش تحت سلطة انقلاب 25 أكتوبر 2021م وهي سلطة فاسدة غير شرعية انقلبت علي الديمقراطية للهروب من نمو واتساع حركة الجماهير وضغطها المتواصل من أجل مطالب الثورة وشعاراتها وقد تسببت في إشعال هذه الحرب نتيجة الصراع التناحري علي مستوي قمة السلطة الانقلابية حول الانفراد بالسلطة والمصالح الضيقة اعتقاداً منها بأن الحرب ستكون مخرجاً لها من ضغط حركة الجماهير ومن ملاحقة عدالة الشعب وإصراره علي بالقصاص القادم لا محالة طال الزمن أو قصر. في ظل هذه الظروف ليس أمام الشعب غير توحيد صفوفه في جبهة مدنية واسعة تضم كل قوي الثورة الحية المتمسكة بشعارات الثورة تقوم وتبني علي أساسها وتعمل لمواجهة الحرب وهزيمتها بالوسائل المدنية السلمية المجربة وانتزاع السلطة من الانقلابيين ومحاسبتهم وبناء الدولة المدنية الديمقراطية المنشودة بكافة طلائعها ومكوناتها المدنية والسياسية المتمسكة بشعارات الثورة. ولكن قضايا الاقتصاد لا يمكن تركها في ظل ظروف هذه الحرب اللعينة للسلطة الانقلابية التي تعمل فقط لتسخير كل موارد الشعب وأصوله لمصالحها، ولتمويل الحرب، وتسعير نيرانها، واستدامتها. ولذلك لابد من تولي الجبهة المدنية الموحدة المقترحة إدارة الموارد الاقتصادية من خلال مكوناتها المهنية من اتحادات وأجسام نقابية ومنظمات مجتمع مدني وكيانات إقليمية وشبابية ولجان مقاومة وغيرها من قوي الثورة الحية وتوجيه الاقتصاد المتاح لاقتصاد تعاوني يستنفر طاقات المواطنين المقيمين والمهاجرين بالأقاليم وبالعاصمة وتوجيهها لتلبية احتياجاتهم من غذاء وصحة وتعليم وسكن وخدمات مياه وكهرباء وفي ذلك نتقدم بالمقترحات التالية: 1- التوقف عن سداد الضرائب والرسوم والأتوات لأي جهة حكومية فسداد أي مبالغ لها سيساعد السلطة للمواصلة في تمويل الحرب. 2- عزل كل الطواقم الحكومية العاملة مع السلطة اجتماعياً وعدم السماح لها بالقيام بأي شكل من أشكال تجميع التبرعات أو الدعم تحت أي مسمي أو هدف من الأهداف. 3- أن تتولي الاتحادات والأجسام النقابية إدارة القطاعات الممثلة لها كأن تتولي نقابة الأطباء إدارة المجال الصحي، وأن يتولى اتحاد مزارعي الجزيرة مهمة إدارة مشروع الجزيرة بالموارد التعاونية الذاتية وتوفير التمويل التعاوني لتوفير احتياجات المواطنين وتنشيط حركة تجارية معافاة للمنتجات الزراعية يديرها المزارعين أنفسهم لاستكمال الدورات الاقتصادية الزراعية، وأن يتولى المهندسين مهام توفير الحد الأدني من الصيانة اللازمة لتشغيل قطاعات الكهرباء والمياه وهكذا. وأن يتم التنسيق من قبل هذه الجبهة الموحدة والكيانات المكونة لها مع المنظمات الدولية العاملة في توفير وتوزيع المساعدات وخلق قنوات سليمة ذات طابع شعبي معها مباشرة للإشراف علي إدارة هذه المساعدات لضمان وصولها لمستحقيها وابعادها من يد السلطة الانقلابية المتربصة بكافة المساعدات التي تصل ولا يعلم أحد كميتها وكيف يتم توزيعها. 4- تنظيم حركة تجارية شعبية تعاونية محدودة تضمن تبادل السلع الضرورية ووصولها للمواطنين وخلق أدوات سداد ووفاء معتمدة شعبياً وقانونياً للتغلب علي انعدام السيولة وحتي لا تقع الجماهير فريسة لمافيا الانقلابيين والدولة العميقة المتحكمة في 95% من الكتلة النقدية التي ظلت متواجدة خارج الجهاز المصرفي خلال السنوات الماضية وحتي عشية اشتعال فتيلة الحرب اللعينة وهي تستغل حاجة المواطنين لمراكمة ثرواتها. ويمكن ذلك باعتماد كافة التطبيقات البنكية الهاتفية المتاحة للوفاء بالالتزامات وللمخالصات علي كافة مستويات الدائرة التجارية وفي حالة تعطلها المتوقع من وقت لآخر بسبب الحرب يتم اعتماد أدوات دين معتمدة علي المستوي الشعبي يتولى صياغتها القانونيين من قوي الثورة المتواجدين وسط الجماهير وفي الأحياء ويمكن أن يتم صياغتها بحيث يتم اعتمادها من لجنة الحي أو أي جهة شعبية معتمدة وأن تشتمل علي شاهدين علي الأقل وأن تكون قابلة للتداول والتجيير أو التظهير بين الأفراد وتجار التجزئة وتجار الجملة وكافة القطاعات المنتجة وبالتالي تصبح أوراق مالية قانونية وشرعية مبرئة للذمة ومعتمدة شعبياً ويتم الاعتراف بها وتسويتها وتحويلها إلي نقود حقيقية رسمية بمجرد انتهاء الحرب ومثل هذه الأوراق المالية أفضل من طباعة النقود لأنها تُعَبِّر عن مبادلات تجارية حقيقية علي أرض الواقع أي أنها مرتبطة بالاقتصاد الحقيقي عكس النقود المطبوعة التي لا توجد لها سلع وخدمات حقيقية مقابلة لها. 5- أن تتسع الجبهة الموحدة لتشتمل علي كافة السودانيين الوطنيين العاملين بالخارج لتجميع الدعم المالي والسلعي والخدمي واستنفار التضامن الدولي والتنسيق مع الداخل لضمان وصول المساعدات لمستحقيها ولتوظيفها ضمن شبكة الاقتصاد التعاوني المقترح. 6- استيعاب كل المهاجرين حسب طاقاتهم وخبراتهم وتخصصاتهم للانخراط في العمل التعاوني العام وتخصيص الحد الأدني من مصادر الدخل لهم في الحدود الدنيا المناسبة التي تغطي احتياجاتهم الأساسية واستيعاب أبنائهم في المؤسسات التعليمية وللاستفادة من طاقاتهم وتخفيف العبء علي مواطني الأقاليم. 7- تنظيم منابر جماهيرية في الأقاليم والمدن الآمنة في أنحاء البلاد كافة يتركز فيها العمل التعاوني الاقتصادي والاجتماعي والإنساني والسياسي وأنسب منبر يحتضن هذا النوع من الأنشطة المشروعة هي الاعتصامات تحت شعار (عندك خت ما عندك شيل) فمثل هذه الاعتصامات ستكون جاذبة للمواطنين بالذات المتعففين منهم وذوي الاحتياجات الماسة الذين يمكن أن يجدوا ما يحتاجونه متوفراً ولو بالحد الأدني في تلك الاعتصامات بجانب أنها ستسهم إسهاماً كبيراً جداً في إخراج الناس من حالة الصدمة والإحباط التي انتابت قطاعات واسعة منهم بسبب الحرب. وستستعيد الحركة الجماهيرية ثقتها في نفسها وتجميع طاقاتها وستنهض نهوض متسارع وستشكل ضغطاً جماهيرياً كبيراً علي السلطة الانقلابية وجنرالات الحرب وستجد تضامنا دولياً واسعاً وسيتمكن الشعب من وضع حد لهذه الحرب اللعينة في وقت أقصر ويضع أسس راسخة لتأسيس دولته المدنية وبدء مسيرة البناء والتنمية بعد الحرب.
