ضرورة إتفاق إطاري بين الفصائل العسكرية

د.محمد علي حسين شرف الدين

يجدر بنا جميعاً أن نعترف وبكل أسف أن الشعب السوداني شعب هجين يتألف من مكونات إثنية غير منسجمة وغير متجانسة ببعضها البعض ولا تشبه بعضها لا من حيث التركيبة الإثنية ولا من حيث التركيبة الثقافية , كل جزء من السودان مختلف تمام الإختلاف من بقية الأجزاء الأخرى . وكنا نعتقد إن هذا الإختلاف كان ضرباً من ضروب التنوع الذي يصب في خانة الإيجاب ولكننا واهمون فهذا الواهر كانت إختلافات وتناقضات .

ومن جراء هذه الإختلافات نجد كل مجموعة همها مختلف عن الآخر , تطالب بمطالب خاصة بها ولكنها تعلنها بأنها مطالب عامة من مطالب الأمة السودانية , بعضنا يطالب بالحرية والديمقراطية والمدنية , وبعضنا الآخر يطالب بالخبز والدواء والأمن فلا يجده , بعضنا يشكي من الفيضانات والطوفان الذي يهدد مساكنهم بالغرق , والبعض الآخر يشكو من الجفاف والتصحر والكثبان الرملية التي تدفن مساكنهم , ينادي بعضنا بالدولة الإسلامية وعندما يطبقون أفكارهم تجدهم يسيئون إلى مضمون الإسلام جملة وتفصيلاً حتى يظن الذي لا يعرف جوهر الإسلام أن الإسلام دين بربري يبيح لمنسوبيه سفك دماء الأبرياء وإنتهاك حقوق الأبرياء وأن يفعلوا من المنكرات ما لا يفعله الشيطان الرجيم حتى أصبح الإسلام مكروهاً ومبغوضاً في نظر أولئك الذين لا يعرفون جوهر الإسلام . بعضنا ينادي بالعلمانية وهو يعتقد بالعلمانية تردي في الإخلاق وخروج المجتمع من قواعد الإخلاق والأعراف والدين . . هذا هو حالنا نختلف ولا نعرف لماذا إختلفنا .

بلادنا تغرق دائما في حروب أهلية وطائفية وقبلية وصراعات فارغة لا طائل منها فيقوم هذا بغلق الطريق العام الذي يربط البلد بثغره فيخنق البلد ويجوع العباد ويصرح أحدهم بغلق شوارع العاصمة ولا أحد يسأله ويقوم ذاك بإحتلال المطار ويقوم ذاك بإغلاق مسارات الرحل ويقوم هذا بإتلاف المزارع بإدخال المواشي في المزارع في وقت الحصاد ويقوم غيرهم بقتل الأبرياء وحرق منازلهم ونهب ممتلكاتهم , وكل فريق يفعل ما يراه مناسباً من دون أن يراعي حقوق الآخرين لا أحد يسألهم كأن ليس بالبلاد حكومة أو سلطة لتردع كل هؤلاء المجرمين , ولا نعرف لمن هذا البلد ؟ بلد فيه القوي يأكل الضعيف , وقد نجد بعضهم ينادون بالعروبة وعندما نذهب إلى العرب في دولهم العربية نجدهم لا يشبهوننا لا من قريب ولا من بعيد ولا يعترفون بنا بأننا عرب , وإذا ظهر واحد منا أكثر قرباً منهم في السحنات يعتبرون جده نسلاً من الذين تركهم غزاة العرب الفاتحين , أوالأتراك والشراكسة والأرناؤوط الذين غزو البلاد وأستباحوا النساء فيسخرون منه ويقولون له من باب السخرية والإستهزاء نحن نعرف قبيلتك فهي قبيلة عربية أصيلة شريفة نزح منها رجل صالح إلى السودان قبل قرنين أو ثلاثة لينشر الإسلام في ربوعه وتزوج من هناك وترك نسله في السودان , فأنت منا أنت شريفي من آل بيت الرسول , فيصدق هذا المسكين الأبله هذه المقولة الكاذبة ويظن نفسه بأنه من الأشراف من آل البيت فيزايد على الناس بنسبه الشريفي ويتبجح بين الناس بأنه عباسي أو أموي , ولا أحد ينسب جده لكافر من كفار القريش الذين هربوا من حروب الردة ونزحوا إلى السودان وإنما ينتسبون إلى كبار الصحابة المشهورين المعروفين من بطون القريش ولا أحد يقول جدي كان زنجيا جاء من أدغال الجنوب بل كل واحد منهم يدعي أن جده كان عربياً أحمر اللون هذا يدل على مركب نقص . نحن السودانيون عندما نتكلم اللغة العربية في بلاد العرب نتكلمها بتكلف كأننا نقرأها من كتاب , أشبه بأولئك الأفارقة الذين يحفظون نصوصاً عربية من كتب الأدب العربي ليتحدثوا بها في المجالس العامة ، كذلك نحن حتى إذا ذهب أحدنا إلى السوق ليشتري كيلو لحمة من الجزارة أضحك الجزاز والخضرجي والبقال من الفصاحة التي يتكلف بها في الحديث العام حتى يقول بعض السفهاء عبارة صدق الله العظيم بعد أن يكمل هذا السوداني حديثه . .

بصراحة هذه مهزلة ومضحكة نحن شعب ليس له هوية واضحة لينتمي إليها , نحن أمة هجينة بل عجينة من كل الدماء فينا الزنوج والبربر والأتراك والمصريين والفولانيين والأرناؤوط والأرمن ،فينا الأعراب الذين لا يعرفون من أي الأبواب دخل أسلافهم السودان نحن أمة نكرة نكره بعضنا البعض من دون أي سبب .

والأدهى والأمر من ذلك ليس لنا جيش وطني موحد يحمي المواطنين على قدم المساواة ويحمي الوطن وإنما هناك ميليشيات وفصائل طائفية وقبلية ومرتزقة تحمي أهدافاً عنصرية بإسم الدولة وبإسم الشعب والوطن كذباً وزوراً وبهتاناً , ولذلك السبب قام كل عنصر من عناصر هذا الشعب القبلية بتجييش نفسه فحمل أبناؤه السلاح ليحموا ظهر القبيلة أو العشيرة . فكل الفصائل القبلية أو الجهوية الآن مسلحة بأحدث الأسلحة ومعبأة ومدربة تدىيباً متقدماً وجاهزة للحرب فهناك عدد من الجيوش في السودان وليس جيشاً واحداً . .

عليه فإن هذا البلد وبهذه الصورة المذرية لا يستقيم عوده , فهو مهدد بالإنفجار وبالإنقسام وبالإنفصال إلى دويلات متحاربة وأشلاء متناحرة فيما بينها .

أما أولئك الذين يدعون إلى الحكم المدني وإلى الديمقراطية والحرية فهم مجموعة ديماغوجية غوغائية فوضوية من المتملقين الكذابين المتسلقين من أسلاف الطوائف السلفية البائدة , لا يعرفون شيئاَ عن معاني الحرية ولا عن الديمقراطية إنما كانوا شرازم يستنكفون من أن يتساووا بالآخرين ويتكبرون على بقية أبناء الشعب السودان ويعتبرونهم أتباع ويعتبرون البلاد مجرد إقطاعية ورثوها من أجدادهم فهؤلاء هم الذين كانوا السبب من وراء توريط البلاد في كل هذه الأزمات فكان من الأحرى والأجدى أن تحاربه هذه الفصائل المسلحة .

ظللنا نسكت حتى بلغ السيل الزبى والبلاد على مشارف الغرق . فنحن اليوم على مفترق الطرق إما أن نبقى أو لا نبقى . فما هو الحل لإنقاذ هذه البلاد من الفناء والهلاك ؟

أعتقد جازماً أن الحل يكمن في الإتفاق الإطاري بين كل الفصائل العسكرية المختلفة التي من بينها كانت القوات المسلحة والميليشيات القبلية التي تحمل السلاح والعصابات المسلحة المتفلتة .

وليس المقصود بالإتفاق الإطاري في تقديري الشخصي إتفاقاً بين الفرقاء المدنيين المشاكسين الذين من المحال أن يجمعوا في أمر جامع مهما كان الأمر كما يحاول الشعب السوداني أن يجمعهم في مائدة واحدة ليتفقوا .

فالجيوش هي العناصر التي في حاجة لإتفاق إطاري لبناء جيش وطني موحد يؤمن بعقيدة عسكرية صارمة ويحمل رسالة وطنية مجردة من الألوان العنصرية القبلية ومبرأة من الطائفية والحزبية , جيش هدفه الأسمى حماية هذا الوطن الذي إسمه السودان من التمزق , جيش هدفه تأمين ممتلكات الشعب السوداني ومقدراته ومكتسباته وحمايتها من تغول المتغولين ومن إحتيال المجرمين .

يجب أن نعترف في البداية أنه ليس في السودان جيش وطني في يوم من الأيام حتى نعتبر بقية الفصائل بأنها ميليشيات وفلول وإنما كل القوات المختلفة التي تحمل السلاح في هذا البلد ميليشيات وفلول بما فيها القوات المسلحة , فلابد من أن تجلس كل تلك الفصائل على الأرض لإبرام إتفاقية تفضي إلى بناء جيش وطني موحد , ذو قضية وطنية واحدة ورسالة وطنية موحدة , جيش مؤلف من كل ألوان الطيف السوداني ومن كل الحركات المسلحة والحركات المتمردة من الجانجاويد والترابورة والمنخنقة والموقوذة وما أكل السبع منها لتكوين جيش واحد لشعب واحد يؤمن فقط بالقضية الوطنية المشتركة , وأن يقوم هذا الجيش بتولي زمام الأمور في البلاد بنفسه ولا يترك أقل فرصة للأفاكين أن يتحدثوا أو يتكلموا عن الديمقراطية والحرية بإسم هذا الوطن وأن يمنع خروج المظاهرات والفوضى التي تحدث في الشوارع وأن يمنع الإضراب عن العمل بقرار عسكري حاسم , وأن يفرض هيبته بالكامل على جميع ربوع البلاد ويمنع الفوضى والإرهاب الذي يقوم به المجرمون المتفلتينِِ . هذا هو الحل وليس غير هذا من حل آخر أراه بديلاً مناسباً لإنقاذ البلاد من الغرق .

وبهذا قد إنتهت الكلمة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *