حرب دونكيشوت ، او الثيران في مستودع الخزف.

د.مصطفى محمد علي حسين

الدعم السريع عندما صنعته بطانة الرئيس المخلوع بسرعة شديدة، عندما ارتفعت الأصوات من داخل النظام رغبة في التخلص منه بعد أن تعقدت الأوضاع وتصدع التنظيم الإسلاموي وداهمه الاحساس بالخطر المحدق، وبدا واضحا للمخلوع بأن رفاق الأمس، سيتخلوا عنه تحت أي لحظة، واضحت مسألة وقت ليس إلا ، خصوصا وان الاقتصاد الكيزاني قد دفع ثمنا بالغا جراء انفصال جنوب السودان وتوقف السيولة النفطية، تكونت مليشيا الدعم السريع في ذلك الوقت بميزانية ضخمة وتسليح قوي، كان الغرض منه عرض انياب للداخل قبل الخصوم، وللاشارة ان المخلوع ليس لقمة سائغة يمكن للكارتيلات الإسلامية وتشكيلاتهم الاجرامية و بولاءاتهم المختلفة داخل التنظيم الواحد من ابتلاعه، عندما سقط النظام وتفرق ايدي سبأ، وجدت هذه المليشيا فراغا سلطويا جعله ينمو بطريقة جنونية، وسيطر على مفاصل اقتصادية مهمة، بمعاونة خبراء دولة البشير الامنية، اقتصاديا واستراتيجيا، لكنه بقي متخلفا على الصعيد السياسي، لم يستطيع محمد حمدان بحده وحديده من التمدد سياسيا، على صعيد شخصي، هو لايمتلك ادنى مقدرات تجعله يتقدم في هذا المجال – تابعتم جميعا ظهوره الكرتوني المتكرر و المضحك – لم استطيع تمالك نفسي من الضحك وانا استمع إلى خطاب رفيع اللغة، كتبه احد مستشاريه يصف نفسه بأنه ابن البادية، البسيط، كالحملان والمشتكي من عنف الدولة.

الدعم السريع شقت طريقها مليشيا قبلية بمصالح وتقاطعات محدودة، اراد المخلوع ان يصنع منها نموذج الحرس الثوري، جيوش الطغاة الخاصة التي تقتل الخصوم وتقضي على الأعداء، لكنها وجدت نفسها في النهاية أقرب ماتكون لنموذج الشركات الامنية الخاصة. مثل بلاك ووتر في الغرب .

الجيش السوداني وان بدى للجميع انها مؤسسة وطنية مهمومة وراغبة هذه الأيام بإنهاء الوضع المخل للدعم السريع ودمجها في الجيش، الا انها والغة في بركة وثروات الدعم السريع، فحرب اليمن واموال الخليج المهولة المتدفقة في حربها الغاشمة ضد اليمن، يتقاسمها ضباط وجنود الجيش السوداني، بل يعمل عدد مقدر من منسوبي الكلية الحربية السودانية في اروقة الدعم السريع، قرار المشاركة في عاصفة الحزم والارتزاق لصالح ال سعود، وهو قرار سيادي من الدرجة الأولى تم بواسطة الجيش، انتعش اقتصاد الجيش جنبا إلى جنب مع الدعم السريع. يعمل حاليا كل قراصنة الاقتصاد ووجوه الدولة الزبائنية من العهد البائد، في اروقة الدعم السريع، يغسلون أموال حميدتي الكثيرة بمشاريع متعددة ويتنقلون في سياراته الفارهة يبيعون ويشترون بلداً ممزق، من ينسى منظر القيادة العامة للجيش، وهي موصدة الأبواب في وجه العزل من الشباب في ليلة الغدر تلك. قائدي هذه المؤسسة يلعبون لكسب الوقت وصنع التحالفات واضاعة الوقت لاستمرار دولة السماسرة والعمالة.

تفكيك او دمج او التخلص من الدعم السريع، او اي كان المسمى، ستكون فاتورته عالية، خطرة وربما ممزقة لماتبقى من البلد، مثل هذه المهام، تتطلب ارادة وطنية خالصة وصلبة – لاتلوح في الافق للأسف -، قفزات هائلة في الروح والخيال لتخطي هذه الحقبة الأشد حلكة من تاريخ البلد الظلامي.

على صعيد اخر، للنشطاء في الخرطوم إرث طويل في ممارسة بلاهة جماعية في مايختص بموضوعات الحرب والحشد لها، يتحدث كثيرون في السوشيال ميديا وفي لقاءاتهم العابرة، بحماسة بالغة وسطحية في تناول الحرب والاشتباك و ماسيترتب حال وقوعها، على طريقة لعبة “ببجي” يتحدثون وبتوق شديد عن حرب محتملة وضربة عسكرية وشيكة قد يوجهها قائد الجيش لخصمه دقلو في حال لم يسلم ويرضخ بالدمج ، ويذهب البعض إلى الحديث عن فوارق التسليح الكبيرة بين الجيش والدعم السريع، حشود من خبراء الحرب الاستراتيجيين يرسمون سيناريوهات طفولية لحرب قادمة.

هؤلاء البسطاء والمساكين لايعرفون اي ثمن ستدفعه ما أن تنفجر قنبلة واحدة في الارجاء، ان وقع مثل هذا الصدام، باي حال من الأحوال، عزيزي الناشط المسكين، وانا اطلق لفظ ناشط بعمومية شديدة، لأن الناشطية الحقيقية في هذه الايام – activism – هي مهنة متقدمة تتطلب العديد من المهارات والامكانيات ،لتستطيع بعدها إجادة تملق الاجانب وجلب الفند والدعومات، انظر إلى سوريا ولبنان والبلاد الخراب ، يستطيعوا كتابة بروبوزال دولاري لإنقاذ حيوان ابو القنفذ من أثر القصف أثناء الحرب باجادة تامة، نمط حياتهم عالي الكلفة، يلبسون من زارا وجوسي ويشربون النبيذ ولكنتهم انكليزية فصيحة ، بينما انت الذي تتحمس لاشعال الحرب، تكدح لتاكل وجبتين في اليوم وتتسول سجائرك، تحفظ بيتي شعر للنواب لتسميها ثقافة لن تقوى على مقارعة هذه الوحوش، لن تستطيع كتابة البروبزال، إنجيل العصر للحصول على الدعم ورضا المستعمرين الجدد ، باخطاءك الإملائية وعدم اجادتك للإنكليزية ، ستنتهي في إحدى معسكرات اللجوء، محطما وعاجزا عن فعل اي شئ، هذا ان نجوت من القصف .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *