ضرورة تشكيل لجنة وطنية لفرز عطاء (القضية السودانية) المطروح في مزاد سوق المبادرات !

يوسف مصطفى

ليس من بلدٍ في هذا الكوكب طافت قضاياه بين ردهات الدول والمنظمات كما هو حال السودان ، فمشياً على خطى الإيقاد ومن قبلها منبر جدة ، افتتح الجوار السوداني سوقه برعاية مصر ، حيث لا جديد في قمة الجوار المنعقدة قبل ايامٍ قليلة، فقد أكدت القمة الرئاسية على ذات مضامين ما سبقها من مبادرات حيث اكدت على ضرورة وقف الاقتتال وتأمين الممرات الانسانية ، ورعاية امن وسلامة المدنيين عبر اعتماد الحلول التفاوضية بدلاً عن الصراع الدموي المتفاقم يوماً بعد آخر ، مع التركيز على محاصرة أي تدخل خارجي يُعقِد المشكلة اكثر من حلها ومن ثم استئناف عملية سياسية تنتهى بحكومة متوافق عليها ، غير ان الاهم ان مخرجات القمة الرئاسية قد خيبت أماني الدوائر الداعمة للجيش و(الحكومة) معاً حيث انها سارت على ذات درب ما سبقها من مبادرات فيما يخص تعريف طرفي الصراع باعتبارهما قوتين عسكريتين متقاتلتين ، دون الإشارة لجهة شرعية وأخرى متمردة كما كانت تتمنى تلك الدوائر ، وهو ما يدعو للدهشة حينما تقرأ ترحيب تلك الدوائر كمجلس السيادة والسلطة الحاكمة بتلك المخرجات !!! (-) رغم التوافق الذى وَسّم خطابات كل رؤساء القمة ، إلا ان المرء لا تعوزه الفطنة كيما يلحظ بعض التباينات الخافتة طي مخرجات هذه القمة ، والتي يأتي على قمتها امور مثل : ما يتصل بالعملية السياسية التي من المفترض ان تعقب وقوف الحرب ؛ فمصر يبدؤ انها تتحدث عن عملية سياسية تشمل الجميع لا يستبعد ان يكون عرابها الكتلة ( الديمقراطية ) حليف مصر المستقبلي !! أما إثيوبيا التي تضمن خطابها التركيز على استئناف العملية الانتقالية التي وأدها انقلاب 25 اكتوبر قبل ان تقضى عليها الحرب تماماً ، فمحور هذه العملية عند اثيوبيا سيكون في الغالب الارجح القوى المدنية التي كانت طرفاً في الوثيقة الدستورية التي رعتها أديس أبابا قبل ان ينقلب عليها المكون العسكري في اكتوبر قبل الماضي بطرفيه المتصارعين الان ، أما جنوب السودان فمن الراجح عدم ذهابه مع أى عملية سياسية تتجاهل فصائل سلام جوبا . ومن التباينات الاخرى غير المعلنة علاقة هذه المبادرة بما سبقها من مبادرات ، فمصر قد تجاهلت أي اشارة ذات قيمة في هذا السياق ، بينما ركزت جنوب السودان على ضرورة التوفيق بينها ومبادرة الايقاد توسيعاً وتأكيداً للجهد الأفريقي السابق ، واللافت في هذا الصدد إشارة الجامعة العربية خلال خطابها لضرورة التنسيق مع منبر جدة ، ومبعث الاهمية في هذه الاشارة انها صادرة من منظمة برئاسة مصرية لم تعتاد السباحة عكس تيار القاهرة خصوصاً في هذا الوقت الذى تستعر فيه نار المنافسة حول موقع الريادة العربية ما بين القاهرة والرياض . (-) يكمن (شيطان) هذه المبادرة في تفاصيلها ، و على قمة هذه التفاصيل أمران ؛ أولهما كيف ستتعامل هذه المبادرة مع نفوذ المبادرات الاخرى المدعومة إقليمياً كالإيقاد أو دولياً كمنبر جدة ، فالمتوقع ألا تتقدم هذه المبادرة قيد أنملة إن لم تنسق جهودها مع ما سبقها من مبادرات ؛ فمن جهة لن يذهب الدعم السريع خطواتٍ أبعد في مبادرة لديه حولها شكوك وإن رحب بها كإجراء دبلوماسي ، وفى هذا يتطابق موقفه مع موقف الجيش الرافض لمبادرة الايقاد لذات الاسباب ، فضلاً عن أن المبادرة باستقلاليتها الآنية ستواجه بمتاريس عدة ليس اقلها استياء الرياض وبرود امريكا وما جاورهما من ثلاثية ورباعية واتحاد أوروبي ، اما الامر الثاني فيكمن في خارطة طريق العملية السياسية ومكوناتها وهنا سيتجلى الصراع السوداني – السوداني في أبهى صوره ، عليه فإن أى خطة تنفيذية تعمل على تصميمها اللجنة الوزارية المكلفة والتي ستنعقد في انجمينا في مقبل الايام تتجاهل هذين الامرين سوف لن يُكتب لها النجاح غالباً. (*) لقد أكدت هذه المبادرة وما سبقها من مبادرات على عدة حقائق مؤلمة؛ أولها انشغال الاقليم وجزء فاعل من المنظومة الدولية بشؤون السودان لا حباً فيه بقدر اهتمامهم بتقاطع مصالحهم وفقاً للموقع الجيوسياسي للسودان ، كما أكد سيل المبادرات على فداحة غياب الإرادة السياسية لدى قطاع غالب من النخبة السياسية وعجزهم المعتاد عن مخاطبة شؤونهم وقضاياهم الداخلية ، غير ان الاكثر إيلاماً أن التبضع في سوق المبادرات اضحى عادة سودانية مقلقة تتسم خلالها النخب السياسية والعسكرية على حد السواء بمرونة مقيتة لا تلقى بالا لحجم التنازلات التي يمكن ان تقدمها تحت الضغوط الخارجية في حين تكون ذات القوى والنخب في اشد حالات العناد والتعنت حينما يتصل الامر بالتعاطي في ذات الشؤون داخلياً ، عليه يبدؤ أننا إزاء ضرورة ملحة لتشكيل لجنة وطنية لفرز العطاءات (المبادرات) وفقاً لشروط المصلحة الوطنية المحضة ، علماً بأن اللجنة غير ملزمة بترسية العطاء للأقل سعراً !!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *