شخصية البنجوس في المخيلة الشعبية السودانية هي الشخصية التي تقوم بأدوار ثانوية في الوسط الذي تتواجد فيه بسبب الظروف الإجتماعية المعقدة التي نشأت فيها هذه الشخصية البنجوسية المظلومة وهي بالضرورة شخصية غير مؤثرة في الحياة العامة و لا تشارك في صناعة القرارات مهما كانت درجة تأثير هذه القرارات على الآخرين سلباً أو إيجاباً.
ثورة ديسمبر 2018 السودانية المجيدة ثورة وعي تراكمي في المقام الأول بل يمكن القول بأنها ثورة شبابية في الأفكار و هي أيضاً ثورة شبابية الشخوص من واقع الملايين الشابة من الجنسين التي صنعت أحداثها و لازالت مواصلة في نفس المسيرة الثورية من أجل تحقيق مدنيَّة الدولة لينعم الجميع بقِيم الحرية و السلام و العدالة.
التربية الحزبية في معظم مكوِّنات القوى السياسية السودانية قديمها و جديدها لم تقم على أسس صحيحة تساعد بدورها غالبية العضوية على التفكير بحرية للمشاركة الحقيقية في تطوير برامج الكثير من الأحزاب و الدليل على ذلك هو وجود أعداد كبيرة من البناجسة السياسين في عضوية معظم الأجسام المحترفة للعمل السياسي السوداني.
البناجسة السياسيون يمثلون العضوية التي لا تستطيع أن تفكر بحرية أي أنها العضوية التي لا تستطيع أن تتدبر أمورها لكي تتناول القضايا العامة بطرائق التفكير الحرة بغض النظر عن قبول زعيم الحزب بها أو رفضه لها.
من الخِصال الأساسية للشخصية السياسية البنجوسية هي إكثارها من عِتالة ما يكتبه أو ما يصرِّح به شفاهةً زعيم الحزب ثم العمل على توزيع أفكار هذا الزعيم على وسائل التواصل الإجتماعي ليكون البنجوس السياسي في حالة إستعداد بنسبة مائة في المائة لمهاجمة المواطنين في وسائل الذين سيدلون بآرائهم حول ما يقول أو يكتبه هذا الزعيم الملهم الذي لا يمكن للحزب أن يتقدَّم أو يكون له أي دور سياسي بدونه من وجهة نظر البنجوس السياسي.
من الصفات المميزة للبنجوس السياسي هي إنه يزعل لزعل زعيم الحزب و يفرح لفرحه و إن أشاد الزعيم بالمؤسسة العسكرية السودانية و بمليشياتها المقاتلة للشعوب السودانية في هوامش و أطراف البلاد يفعل البنجوس السياسي الشيء نفسه و إن عارض الزعيم ذات المؤسسة العسكرية و مليشياتها و وصفها بأنها مؤسسة فاشية يدافع البنجوس السياسي عن رأي الزعيم و إن قال هذا الزعيم هذا إنقلاب عسكري ردد البنجوس نفس الكلام و إن كانت رؤية الزعيم السياسية أن الحل في الإتفاق الإطاري أصبح البنجوس السياسي إطارياً و هكذا دواليك.
طموح البنجوس السياسي الأكبر أن يصاهر زعيم الحزب ليكون قريباً من صناعة القرارات معتمداً على هذه المصاهرة السياسية و ليرافق البنجوس السياسي زعيم الحزب في حِله و ترحاله كظله.
بعض البناجسة السياسين السودانيين يأتون بزعماء الأحزاب لمواقع التواصل الإجتماعية كأعضاء (شرف) يقومون بالقراءة و لكنهم لا يتداخلون حتى لتقديم التعازي في الوفيات و في الأماكن المتواجدين بها و إن مات عضوا في نفس المكان و الهدف من إتيان البناجسة السياسين بهؤلاء الزعماء لهذه المواقع الجماهيرية الحرة هو أنهم يريدون أن يظهروا لهم مدى تجويدهم للبنجسة السياسية من أجلهم أمام المواطنين الذين يدلون بآراء غير متفقة مع الأفكار السياسية التي يطرحها هؤلاء الزعماء السياسين.
مجمل القول إنَّ المهمة الأساسية للبنجوس السياسي هي أن يعمل ليلاً و نهاراً لينال رضا زعيم الحزب فضلاً عن بحثه الحثيث لنيَّل رضا المجموعة المقرَّبة من رئيس الحزب و بالتالي من الدوائر السياسية الضيقة الصانعة للقرارات بذات الحزب.
معلوم بأنَّ البنجوس السياسي لا يشارك في صناعة القرارات الهامة التي تصدرها دائرة الحزب الضيقة التي ينتمي إليها صُّورياً و مع ذلك تجده في حالة دفاع مستميت عن كل القرارات و التحالفات السياسية التي يُقدم عليها حزبه و على مدار الساعة لكي يتقرب بذلك العمل السياسي المشاتر زلفى من زعيم الحزب.
مع إنه البنجوس السياسي السوداني غير مسؤول عن مآلات القرارات و التقديرات السياسية الصحيحة أو الخاطئة التي إتخذها الحزب الذي ينتمي إليه بصورة إسمية و مع ذلك تجده أكثر العضوية الصُّورية إنتاجاً للتبريرات السياسية ليقنع نفسه ببرنامج سياسي متوهم يعوِّض عبره عدم مشاركته في صناعة القرارات.
الفئات العمرية لظاهرة بناجسة السياسة السودانية في الوقت الحالي متفاوتة و شاملة لمعظم الفئات العمرية تقريباً. فقد يكون البنجوس السياسي طالباً جامعياً أو أستاذاً جامعياً أو موظفاً في القطاعين العام و الخاص و قد يكون البنجوس السياسي شخصية متقاعدة …إلخ و لكن سيلاحظ المهتمون و المهتمات بظاهرة بنجسة السياسة السودانية بأن القاسم المشترك الأعظم بين غالبية البناجسة السياسين هي طاعتهم لزعيم الحزب و العمل على مدحه و الدفاع عن شخصه بدلاً من الدفاع عن المشروع السياسي الذي يجمع هؤلاء البناجسة السياسين مع هذا الزعيم أو ذاك.
كل الشواهد تؤكد بأن غالبية قيادات الأحزاب مسؤولة عن ظاهرة بنجسة السياسة السودانية و عن أسرنتها أي جعلها بعض الأسر تستثمر في السياسة و تعمل على تبادل لعب الأدوار لتحقيق مكاسب سياسية خاصة بها لدرجة أن أصبح أو سيصبح الحزب من الميراث الأسري الذي تركه أو سيتركه الزعيم في حالة رحيله.
لا يمكن لأي بلد في العالم أن يستغنى عن الأحزاب و عن مشاريعها السياسية التي تسعى عبرها للإرتقاء بمدنيَّة الدولة خصماً على عسكرتها و مليشتها و لكن لا يمكن أن تساهم الممارسات الحزبية غير الراشدة في تطوير الأداء الحزبي الذي تحتاجه الدولة و عليه يجب عدم شيطنة مفهوم الحزبية و في ذات السياق يجب أن تطالب الحركة الجماهيرية الثائرة بالإصلاحات الحزبية لتكون لدينا أحزاب سياسية معاصرة صاحبة برامج سياسية واضحة من أجل مستقبل السودان.
المستقبل في صالح الحركة الجماهيرية الثائرة بوعيها التراكمي العميق و لذلك سوف يأتي اليوم الذي ستختفي فيه و للأبد ظاهرة بنجسة السياسية السودانية و حينئذ لن يكون للبناجسة السياسين أي دور سياسي صُّوري يقومون به في غالبية المؤسسات الحزبية المستقبلية.
ثورة الوعي بالحقوق و الواجبات السودانية مستمرة و النصر أكيد.
برير إسماعيل
كارديف– مارس 2023م.
