الآن نعيش مرحلة انهيار الأيديولوجيا الإسلاموعروبية وهي أخطر مراحل الأيديولوجيا

محمد جلال أحمد هاشم – الخرطوم – 8 مارس 2023م

في مواجهة مقالة مقتضبة لي، تعليقا على حكم قضائي صادر مؤخرا بقطع يد مدان بالسرقة في الرابط أدناه:
https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=5975413565874622&id=100002181135853&mibextid=Nif5oz

تساءل علاء الدين جبة Ala Aldeen Jlba:
“بس سؤال ربما قد يكون خارج إطار البوست. أتذكر في واحدة من لقاءاتك قلت إنه لا توجد دولة عميقة في العالم الثالث. ولكن الكيزان ما زالوا موجودين في كل مفاصل الدولة. فكيف توصف هذا؟”
أدناه ردي له بعد بعض الإضافات (طبعا مع بعض التصحيحات والتصويبات لسؤاله):
هذا سؤال ذكي! نعم، لا توجد دولة عميقة في العالم الثالث لأن بنية الدولة أصلا هشة. الدولة العميقة تستوجب بنية قوية لمؤسسة حكمانية غير مرئية في الظاهر.
ما حدث في السودان هو في أصله، ومنذ الاستقلال، شكل من أشكال التحالف الأيديولوجي بين مجموعات قد تبدو مختلفة ظاهريا، لكنها متحدة أيديولوجياً. مثلا، من أوجه ذلك، أن نظام الإنقاذ لم يكن يملك أي عوامل بقاء بعد سنته الأولى. فكيف استمر لثلاثين عاما؟ استمر كل هذه المدة لأنه كان يحقق للقوى الأخرى (التي تبدو ظاهريا أنها تعارضه) أهدافا تعجز هي عن تحقيقها عبر النظام الديموقراطي (مثل شن الحروب الشعواء، وتكريس الأسلمة والاستعراب عبر القمع والبطش غير المسبوق). ثم إنه (أي نظام الإنقاذ) هو الذي سوف يبوء بعاقبة سياساته هذه في النهاية، دون باقي القوى التي في حقيقتها تتكسّب من نتائج سياسات الإنقاذ دون أن تتحمل مسئوليتها.
هذا هو ما نسميه في كتاباتنا بالتواطؤ الأيديولوجي! ولهذا وجهنا سهام الأسئلة لقوى قحت (بشقيها وشقوقها) لنكشف عن تواطئهم هذا. والأيديولوجيا التي نعنيها بالطبع هي الأيديولوجيا الإسلاموعروبية، وهي عندنا ليس فقط لا تعني الثقافتين العربية والإسلامية، بل تقف ضد هاتين الثقافتين الكريمتين. فما يحدث في السودان لا يتحمل العرب مسئوليته بمثلما لا يتحمل الإسلام مسئوليته. ما يحدث في السودان ليس عملية تثاقفية بالمرة (والدليل على ذلك انهيار مستويات اللغة العربية في المدارس والجامعات، وكذلك انهيار القيم الاسلامي من حيث تحريم أكل مال السحت وقتل النفس يغير حق – هذه هي القيم التي ادعى متأسلمة السودان أنهم جاؤوا لتحقيقها، فإذا بهم قد نسفوها، ولم يتمسكوا من الإسلام إلا بالأحكام الجزائية لذر الرماد في العيون استثمارا منهم للجهل وللتنكيل بالخصوم).
هذه هي نفس القوى التي عملت على عدم تفكيك دولة الإنقاذ المارقة بعد أن دكت ثورة ديسمبر المجيد أركان الإنقاذ المتهاوية. لقد كانت قوى الحرية والتغيير تعلم منذ لحظتها الأولى أن تفكيك دولة الإنقاذ يعني في نهاية المطاف تفكيكها هي، ولهذا عملت على إبقاء الكيزان في كل مفاصل الدولة، لأنها تعلم تماما أنهم جميعا لا يختلفون في شيء، وأنهم لا بد وأن يتحالفوا في خاتمة مطافهم.
إن أخطر مراحل الأيديولوجيا (أي أيديولوجيا) هي مرحلة انهيار الأيديولوجيا the crash of ideology وفيها تشتط الأيديولوجيا وتبلغ غايتها من حيث العنف والغباء. وإلا، كيف نفهم في عصر الدولة الوطنية (التي يفترض أنها تقوم على حقوق المواطنة المتساوية ذلك لأن المواطنين فيها هم مصدر السلطات) أن تقوم الدولة باستجلاب مئات الآلاف من دول الجوار الغربي فتسلحهم لقتل مئات الآلاف إلى ما يفوق المليون، ولحرق القرى لدرجة أن يكون لدينا الآن عدد ثلاثة ملايين لاجئ في تشاد وثلاثة ملايين نازح داخل دارفور، ثم تبلغ المهزلة أن تجعل من هؤلاء المستقدَمين قوة عسكرية توازي الجيش، ثم يصبح أحد مجرمي هؤلاء المستقدَمين هو الرجل الثاني في البلاد، فإذا به يعمل وبالمكشوف على نهب موارد البلاد لشراء التحالفات الدولية والإقليمية (هذا دون أن نذكر شيئا عن فصل ثلث البلاد ممثلا في الجنوب وحرمان البلاد من حوالي 80% من عائدات البترول، ودون أن نذكر شيئا عما يقارب الأربعة مليون شهيد في حروب الجنوب وجبال النوبة وإقليم الفونج وباقي مناطق السودان.
فإذا كان هناك أناس يعتقدون أن ناس الترابي وعمر البشير وعلي عثمان ورهطهم قد فعلوا كل هذا لينتهوا متحاربين، متخاصمين، ثم ذليلين في السجون وهم يكذبون على منابر المحاكم، ناكرين ما فعلوه بأيديهم وخططوا له بالسنوات (وكذبة المنبر للقاء)، فهذا ما ينوبهم من غباء أيديولوجي غير مسبوق، ثم ما ينوب هؤلاء الذين يظنون هذا من سذاجة ماحقة، هي نفسها تنبي عن تواطؤ أيديولوجي. هذا ببساطة لأن ما فعله كيزان الإنقاذ هو الاستمرار في ذات سياسات نخب دولة ما بعد الاستعمار التي تتشكل منها الآن قوى قحت بشقّيها وشقوقها، بيمينها ويسارها.

هذه هي أخطر مراحل الأيديولوجيا الإسلاموعروبية، حيث تتصرف بطريقة “عليّ وعلى أعدائي”، أي بطريقة نيرون عندما أحرق روما بعد أن استيقن بأن زمنه قد انتهى. إن ما يفعله البرهان وحميدتي الآن بمشايعة قوى قحت بشقّيها وشقوقها من تفريط في سيادة البلاد بطريقة ما كان يمكن تخيُّل حدوثها بعد ثورة شعبية غير مسبوقة في تاريخ البشرية، لا يمكن فهمه بخلاف دفع مؤسسة الدولة إلى الانهيار التام، حيث يصبح الناس في يومٍ قريب فإذا بالدولة (ممثلة في الجيش والبوليس والأمن والقضائية والنيابة العامة والخدمة المدنية والبنوك، ثم بالطبع السفارات الغربية) جميييييعُها وقد أصبحت أثرا بعد عين. فالتجارب التي حدثت فيها حالات لانهيار مؤسسة الدولة تخبرنا أن تآكل مؤسسة الدولة من الداخل عادةً ما يستمر لسنوات وعقود، لكن الانهيار crumbling down بطريقة انهيار برجي التجارة في نيويورك، يحدث بسرعة لا يتصورها الناس. فهي تحدث بين عشيةٍ وضحاها.
قلبي على وطني! MJH

الخرطوم – 8 مارس 2023م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *