تقرير جديد هام من زالنجي : خدمات الإتصالات والكهرباء مقطوعة عن مدينة زالنجي وأجزاء من ولاية وسط دارفور منذ ستة أيام

تقرير هام (مترجم) من زالنجي ٢٤ مايو ٢٠٢٣

الكاتب إيدي توماس (تويتر) Eddie Thomas

لا تزال خدمات الإتصالات والكهرباء مقطوعة عن مدينة زالنجي وأجزاء من ولاية وسط دارفور منذ ستة أيام علي أقل تقدير، ويحاول العديد من أهل زالنجي المتواجدون بعيداً عن المدينة التواصل مع ذويهم. أحمد كرون من أبناء مدينة زالنجي، شاءت الظروف أن يتواجد بمدينة أمدرمان المشتعلة هي الأخرى، يحاول أحمد أن يتواصل مع أسرته بزالنجي والتي نزحت من حي الإستاد إلى حي كرانك في الجزء الشرقي ضمن أسر أخرى من الأحياء الواقعة غربي المدينة جراء الإشتباكات الأخيرة التي اندلعت يوم 17 مايو حول قيادة الفرقة 21 مشاة. وعندما تمكن أخيراً في 20 مايو التواصل مع أحد أقاربه، لم تكن الأخبار التي نقلت إليه مطمئنة، فقد علم بإنتشار مليشيات قبلية تستقل دراجات نارية وتكاتك وقامت بإستباحة المدينة ونهبت البنوك ومقرات المنظمات ومنازل المواطنين. لم يتمكن أحمد من الإتصال بأي أحد داخل مدينة زالنجي بعد تلك الأخبار.

مخاوف من حدوث إنتهاكات:

يقول القانوني والمدافع عن حقوق الإنسان عبدالباسط الحاج أن الحق في الوصل إلى المعلومة وتوفير خدمات الإتصال أصبح من حقوق الإنسان وكفلتها الإتفاقيات الدولية، واعتبر قطع خدمة الإتصالات والإنترنت إنتهاكاً لحقوق الإنسان، ويصف الحاج المناطق المقطوعة الإتصالات بالمناطق المغلقة نسبة لتعذر التبليغ عن الإنتهاكات التي قد تحدث فيها، وفي أوقات النزاعات يقول الخبير القانوني أن قطع الإتصالات قد يمكن من إفلات المجرمين من العقاب لصعوبة توثيق الأدلة وإخطار الجهات الحقوقية في الوقت المناسب، ويبدي قلقه من ان تُرتكب جرائم فظيعة وتظل خارج التداول الإعلامي.

وأكد لنا مصدر حدوث عمليات نهب لكل من بنك النيل الأزرق المشرق وبنك الإدخار والبنك الزراعي.

بداية الإنزلاق:

وكانت مدينة زالنجي إنزلقت إلى أتون الحرب الدائرة بين القوات المسلحة والدعم السريع منذ 15 أبريل، وأفاد صهيب عثمان سقوط ما يقارب الـ 23 قتيلاً وإصابة أكثر من 80 من المدنيين، بينما أغلق سوق المدينة وإنتشرت أعمال نهب واسعة استهدفت مقار حكومية ومقار المنظمات. تدخلت على إثر ذلك لجنة مكونة من الإدارة الأهلية وأعيان المدينة ونجحت في إرساء هدنة بين القوتين.

وفي يوم الثلاثاء 22 مايو أصدر تنسيقية لجان مقاومة زالنجي بياناً حول ما قالت أنه استباحة لمليشيات الجنجويد المسنودة من الدعم السريع لمدينة زالنجي، ذكر البيان ان المدينة تتعرض لحصار من قبل مليشيات الجنجويد وإنقطاع لخدمات الإتصال منذ يوم 17 مايو، وأشار البيان إلى أعمال نهب لسوق زالنجي والمنظمات والبنوك والمؤسسات الحكومية والمرافق الصحية. وناشد المنظمات ووكالات الأمم المتحدة بالتدخل العاجل وتقديم العون الإنساني.

وقال مصدر بمنطقة قريبة من زالنجي أنه تمكن من التحدث إلى أشخاص في المدينة، وأفاد بأن قوة من المليشيات على متن دراجات نارية تقدر بعدد 400 دراجة قادمين من منطقة قارسيلا والمناطق المجاورة قامت بإقتحام المدينة ومساندة قوات الدعم السريع، كما قامت بنهب بنك السودان وبنك الإدخار والبنك الزراعي وبنك النيل الأزرق المشرق كما قامت بنهب السوق وجامعة زالنجي، وأفاد بأن قوة تتبع للدعم السريع قامت بإقتياد مدير بنك الخرطوم بالمدينة لفتح خزن البنك، وأكد المصدر نهب مستشفى زالنجي التعليمي وحرق أجزاء منه ما تسبب في خروجه عن الخدمة، وقال أن سكان أحياء المحافظين والإستاد والمساكن الواقعة غربي المدينة اضطروا للنزوح إلى الأحياء الشرقية بما فيهم أسرته التي تعرضت للنهب تحت تهديد السلاح من قبل قوة تتبع للدعم السريع، فيما يقول أن الوضع الإنساني سيء للغاية بسبب حصار المواطنين داخل منازلهم ونفاد المؤن الغذائية ومياه الشرب.

وأكد مصدر آخر تعرض بعض المواطنين للإعتقال وقال أن الوضع ينذر بكارثة إذا لم تتدخل المنظمات ووكالات الأمم المتحدة لإنقاذ الوضع الإنساني.

تاريخ طويل من الحرب:

ولا تزال ولاية وسط دارفور وحاضرتها زالنجي والتي تعد من بين الأكثر تهميشاً تعيش تحت آثار حرب دارفور. وتقع ولاية وسط دارفور بين ولايات جنوب وشمال دارفور من الناحيتين الشرقية والشمالية وعلى الغرب منها تقع ولاية غرب دارفور المنكوبة حتى لحظة كتابة هذا التقرير، ولديها حدود من الناحية الجنوبية مع جمهورية إفريقيا الوسطى ودولة تشاد في الجنوب الغربي كما يقع الجزء الأكبر من سلسلة جبال مرا داخل حدودها الإدارية. ويقطنها أكثر من مليوني نسمة بحسب إحصاء عام 2009 ومن المتوقع أن يكون التعداد قد بلغ حوالي الثلاثة ملايين نسمة بداية العام الجاري.

ويقول الناشط السياسي عادل آدماي أن الولاية تمتلك المقومات التي تمكنها من الإعتماد على مواردها الذاتية والمساهمة في الدخل القومي لولا حؤول سياسات نظام البشير دون ذلك، ويذكر آدماي كمثال تجربة منظمة جبل مرة للتنمية الريفية التي كانت تضطلع بتطوير الزراعة وأبحاثها قبل أن يتم إغتيال مديرها العام د.أحمد يوسف كنتيجة مباشرة لتسليح نظام البشير لمليشيات قبلية شنت الحرب على المواطنين ما تسبب في تعطيل نمو الزراعة والنشاط الإقتصادي المرتبط بها.

للولاية تاريخ طويل ومأساوي مع الحرب، حيث كانت مسرحاً لإحدى أبشع الجرائم في التاريخ الحديث، فقد شهدت مناطق مكجر وبندسي وقارسيلا التابعة للولاية جرائم تندرج تحت جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بين الاعوام 2003 و 2004 وهي الجرائم التي يحاكم بموجبها علي كوشيب أحد قادة مليشيا الجنجويد في تلك الفترة بمحكمة الجنايات الدولية بحسب ما نقلت هيومان رايس ووتش، وفقدت الولاية التي كانت وقتها جزءاً من ولاية غرب دارفور أغلب قراها على إثر ذلك وتشتت سكانها في معسكرات النزوح واللجوء.

وبحسب تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) المُحدّث بتاريخ 27 فبراير المنصرم فإن ولاية وسط دارفور تستضيف أكثر من 400 ألف نازح في 36 معسكراً فضلاً عن مواقع التجمعات. ويعد معسكر الحميدية ومعسكر الحصاحيصا بمدينة زالنجي أبرز هذه المعسكرات. ومع هذه الظروف والتي ليست جديدة كلياً على النازحين يقول الناطق الرسمي بإسم المنسقية العامة للنازحين واللاجئين آدم رجال؛ فإن جميع المواطنين معرضون للخطر في هذه الظروف لعدم وجود أي جهة تقوم بحماية المدنيين، ما يزيد من مخاطر تعرضهم لشتى صنوف الإنتهاكات، خصوصاً النازحين والنساء والأطفال لكونهم الأكثر هشاشة والأقل حماية، ويرى رجال ان هذه الحرب قامت للدفاع عن مصالح الجنرالات الذين كانوا سبباً في نزوحهم عن مناطقهم وليس للمدنيين أو النازحين أن ينتظروا منها شيئاً، ووصف الوضع الإنساني بانه أصبح كارثياً بسبب توقف المساعدات الإنسانية للنازحين في الولاية منذ ثلاثة أشهر قبل أن تندلع الحرب التي صعّبت إيصال الإمدادات والمساعدات الإنسانية في وقت تعرضت فيه مخازن الأدوية للنهب، ولا يرى آدم أملاً قريباً في ظل إصرار الطرفين على مواصلة الحرب.

فرص التعايش السلمي بالمدينة:

وعلي الرغم من هذا الواقع الإنساني المقلق والهشاشة الأمنية فإن ولاية وسط دارفور نادراً ما تشهد نزاعات عرقية، وظل الطابع السياسي والأمني يسيطر علي الصراعات التي تحدث بالولاية، ويعتقد الناشط بمنظمات المجتمع المدني عوض الله حسين أن مجتمع زالنجي واع ومتماسك إجتماعياً وتمكن من النأي عن الصراعات القبلية العنيفة التي شهدتها مدن أخرى، وأشار إلى أن محاولات خلق الفتن عبر إعتقال رموز المجتمع الذين يحظون بقبول إجتماعي واسع مثل الأستاذ عمر آدم خاطر مصيرها الفشل، ويأمل أن يشكل عدم وجود أعداد كبيرة من أبناء مدينة زالنجي داخل القوات المسلحة أو الدعم السريع عاملاً لعدم تطور النزاع بين الطرفين إلى نزاع قبلي.

ولا تزال بعض المليشيات التي صنعتها سياسات نظام البشير نشطة، وكانت سلطات الولاية قد حظرت في وقت سابق قيادة الدراجات النارية بسبب إستغلالها من قبل هذه المليشيات في عمليات النهب وترويع المواطنين، لكنها بحسب مصادر عديدة عادت بأعداد كبيرة في النزاع الجاري، الأمر الذي خلق مخاوف من تدهور الوضع على غرار ما يحدث في مدينة الجنينة، ولكن عوض الله حسين لازال يعول على تاريخ العيش المشترك والثقافة المدنية لمجتمع زالنجي لتجاوز هذه المرحلة وتفويت الفرصة على ضعاف الأنفس حسب قوله.

مخاطر فشل الموسم الزراعي:

تعتمد ولاية وسط دارفور بشكل كبير علي الزراعة في موسم سقوط الأمطار الذي يبدأ في أواسط يونيو المقبل، وهو موسم مهدد بالفشل في حالة إستمرار النزاع الحالي، ويقول الناشط السياسي عادل آدماي أن المزارعين بالولاية لا يتلقون أي تمويل للقيام بالزراعة ويقومون ببيع جزء من محصولهم في الصيف وممارسة التجارة لتمويل الزراعة في موسم الخريف التالي، ويقول أنه في ظل عمليات النهب الواسعة لممتلكات المواطنين التي صاحبت هذه الحرب والوضع الصِحي والأمني المترديان فإن المزارعون سيواجهون عجزاً في تمويل الزراعة في هذا الموسم، ما قد يتسبب في مجاعة بالولاية التي تتوفر على أحد أكبر أسواق المحاصيل بمنطقة أم دخن على الحدود مع تشاد وإفريقيا الوسطى. وكان مدير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بجنيف قد صرح في وقت سابق بأن ما يقدر بحوالي 25 مليون شخص بالسودان في حوجة لمساعدات إنسانية فورية جراء النزاع الدائر.

الأُسَرة المعزولة:

يشارف اليوم الأول من الهدنة على الإنقضاء بصورة جيدة في أمدرمان بحسب أحمد كرون، لكنه لا يزال غير قادر على الإتصال بأسرته منذ 20 مايو، يعيش أحمد وجعاً كبيراً لما يحدث في زالنجي وينتابه قلق وخوف كبيرين على أسرته، ففي الوقت الذي كانت أسرته تقلق عليه؛ باتوا اليوم في جزرٍ معزولة ولا أحد يعلم ما الذي صار للآخر في الطرف الآخر يقول أحمد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *