في “معجزة “كوننا لا نعتذر أبدا !

فيمعجزةكوننا لا نعتذر أبدا !

بقلم: هاشم ميرغني

(1)

” أليسَ من العارِ أن يفتقر العقلاءُ إلى الحميَّة التي يتمتَّعُ بها المتعصبونَ؟! فولتير

(2)

” إذا كان التاريخُ لا يعيدُ نفسَهُ أبداً فإنَّ المتعصِّبينَ يعيدونَ أنفسَهُم دائماً، وبمثابرةٍ تثيرُ الدهشة” روتيه نيلي

(3)

“مِن التعصُّبِ إلى البربريَّة ليس سوى خطوةٍ واحدة” دينيس ديدرو

كانَ مِن الطبيعيِّ عند اندلاع هذه “الحرابة” أن يتمترس البعض – الكثير إن شئتَ – خلف أحد فريقي القتال: الجيش الانقلابي أو مليشياته الخارجة من رحمه كما وصفها – مشجِّعا ومناصراً، وأن يدفعَ كل فريق بحيثياته وفقَ ما يرى ويحلم في فضاء الأمنيات البعيد عن مرارة الواقع وحنظل التداعيات المرير، أي في ذلك الفضاء الفسيح للتفكير الرغائبيWishful Thinking حيث أرض الانتصارات الوهمية بلا ثمن، فضاء القضاء على “الأعداء” في “خمس ساعات” – كما يزعم الخبراء “الاسطراطيجيون” – لتعودَ الأرض وقد مُلِئت زهورا وسلاماً.

ثم دارت رحى الحرب، وهي كما قال زهير قديماً:

وَما الحَربُ إِلّا ما عَلِمتُم وَذُقتُمُ

وَما هُوَ عَنها بِالحَديثِ المُرَجَّمِ

مَتى تَبعَثوها تَبعَثوها ذَميمَةً

وَتَضرَ إِذا ضَرَّيتُموها فَتَضرَمِ فَتَعْرُكُكــــُم عرْكَ الرَّحى بثِفالها وَتَلْقَحْ كِشافًا ثُمّ تُنْتَجْ فَتُتْئِمِ

وشرعَتْ نتائجُها الكارثية التي فاقتْ أشدَّ كوابيسنا فظاعةً وتوحُّشا تترى، وبدا فاجعاً أنَّ من يدفعُ ثمنَها هم المدنيون الذين لا تاتشرَ لهم فيها ولا سوخوي، والوطنُ بأسره: ذاكرةً وحاضرا ومستقبلا، واستيقنَ حتى بطلي الكارثة – إن كانَ في الأمر بطولة – بعبثية هذه الحرب التي لا تقود إلى أيَّة نتيجة، فضلا عن إمكان تجنُّبِها بالاستماع للحد الأدنى لصوت العقل حيث مسألة إيقافها ليست سوى فرض عين وطني، نعني بالطبع إيقافاً حقيقياً يُسمحُ فيه للمدنيين بإسماع أصواتهم، ويفكِّكُ جذورَ المشكلة، ويُمهِّدُ للدولة المدنية الخالصة المبتغاة، وليس هذه الهدنات الزائفة التي يستغلُّها الطرفان في المزيد من أعمال الخراب: الجنجويد في احتلال المزيد من منازل المواطنين، والتمركز في المؤسسات التي احتلها، والانتشار على الأرض – 80% من مساحة العاصمة الخرطوم حسب التقارير بما في ذلك جُلُّ المناطق الإستراتيجية – والزحف نحو الولايات، وتهريب منهوباته خارج العاصمة، و”الجيش” للقيام بتحليقاته اليائسة لأخذ إحداثيات خاطئة تمهيداً لقصفِ المدنيين فيما بعد.

لكنَّ الغريبَ، الغريبَ جداً أنَّ من ينفخون في نارِ هذه الحرب ويؤجِّجونَ سعيرَها من المدنيين – الذين حان الوقت ببساطة للتوقُّف عن تسميتهم بالمدنيين – لم يتراجعوا عن تحجُّر موقفهم قيدَ شعرة، بل ازدادوا غباءً وتعنُّتًا وعنجهيةً كأنما يُساقونَ لا إرادياً برَسَنِ جهةٍ لا قِبَلَ لهم بها، جهةٍ تسوطهم من الداخل لتدفعهم إلى تزييف البوستات، وفبركة الفيديوهات، وسلفقة البيانات، وتزوير التوقيعات، وسَوق التبريرات، وتدبيج المنشورات باسم أحد الطرفين أو كليهما حتى لا تنطفئ هذه النار حتى تُجهِزَ على آخر ما تبقَّى من هذا الوطن المهدَّد الآنَ في صميمِ وجودهِ.

بالنسبة لمناصري “الجيش” فإنه على الرغم من بداهةِ فكرةِ أنَّ القضاء على السرطان الذي زرعوه هم في قلب هذا البلد لا يمكن أن يتمَّ باقتلاع قلب البلد نفسه وهو ما يحدث الآن، وأن الحرب ليست حلا لمعضلةٍ بقدر ما هي مأساة طاحنة دفع ثمنَها حتى الآن ما لا يقل عن 2.5 مليون مواطن، وأنِّ الجيش – أي ما تبقَّى منه بالأحرى بعد “بلاوي الإنقاذ” – هو الخاسر باستنزافه في معركة لا منتصرَ فيها، وأنه هو من تسبَّبَ عن قصد وتدبُّر في استفحال الوضع الحالي منذ عقدين على الأقل وحتى الرابع عشر من أبريل 2023 ، وأنَّ الحربَ تتمدد لتُشعِلَ بقاعاً لم تشهد انطلاق رصاصة حرب عبر تاريخها …وأنَّ…وأنَّ.. إلا أن هؤلاء المناصرين العتاة تمسَّكوا ببلاهةِ: “بلْ بس” حتى بعد أنْ اتَّضح أنَّ ما بُلَّ وبالدم المراق هو تراب الوطن، وأنَّ “بس” هذه يمكن أن تمتدَّ لسنوات ودون طائل.

وهذا ما استدعى هذه الخاطرة التي آمَلُ أن تُدرسَ موسَّعاً : نحن لا نعتذر أبداً عن مواقفنا حتى لو اتَّضحَ لنا المآلُ القاسي الذي تفضي إليه هذه المواقف؛ ففي بلدي “بلد الخير والطيبة” لا يعتذر أحدٌ أبداً على نسق “نحن لا نرتكبُ الأخطاءَ أبداً” – الرواية الذائعة للروائي الروسي ألكسندر سولجنيتسن (1918 – 2008) عن فظائع العهد الستاليني حيث كان إنكارُ الأخطاء الجسيمة جزءاً من سياسة الدولة الرسميَّة.

نحن لا نعتذر أبداً؛ فعلى مدى سنوات الإنقاذ الممتدَّة على مدى ثلاثين جحيماً لم يظهر مسؤول “إنغازي” واحد ليعترفَ بجرائم النظام ومخازيه ولو على سبيل ذرِّ الرماد في عيون التاريخ، وظلَّ أنس عمرهم – تمثيلا لا حصرا – يفخر بكل جرائم الثلاثين عاماً دون أن يرفَّ له جفن حتى قبيل لحظة اختطافه من قبل إحدى هذه الجرائم التي صنعوها – حيث كان الجزاء من باب “التسوِّي كريت في القرَضْ…”- وحتى عندما ظهر عرَّابُهم على قناة الجزيرة في شهادتهِ على العصر ـــ أيْ على عصرِنا نحنُ بخلَّاطتهم الجهنمية ـــ فإنَّه أوردَ بذاكرة مدهشة يُحسد عليها كلَّ موبقات الإنقاذ التي نعرفُ والتي لا نعرف، ولكن لم يفتح الله عليه باعتذارٍ واحدٍ صريح عمّا جنت يداه على البلاد والعباد ، ولم يُعلنْ عن استعداده للمحاسبة والمقاضاة على جُملة جرائم نظامه حتى رحيله في الخامس من مارس سنة 2016 ليجدَ “ما عملوا حاضرا ولا يظلمُ ربُّكَ أحدا”.

أما بالنسبة للطرفين المنخرطينَ الآن في القتال:

لم يرمِ ضابط واحد بورقة استقالته احتجاجاً على عبثية ما يساقون إليه كقطيع، أو يتندَّمْ على تدمير البلاد، أو قتل المدنيين المتواصل تحت القصف: قصف الطيران أو المدفعية، أو يرثي لمهزلة الإحداثيات الخاطئة، أو حتى يشير إلى أنَّ: “البغلة في ..البدروم”، بل لاذوا بصمت لئيم سميك كان ديدنهم طيلة انقلاباتهم العديدة على الحكومات المدنية حيث لم يستقل عسكري واحد احتجاجاً على اختراق الدستور الذي أقسم على حمايته.

لم يسجِّل جنجويدي واحد احتجاجه على ما يفعله رفاقه بالوطن والمواطن: قتلا واختطافا وتهجيرا ونهبا وحرقا واغتصابا واحتلالا وترويعا إلى آخر سِجِلِّ مخازيهم الخارجة عن كل سويَّة بشرية، بل إنَّ ممسِّدي أصابعِ القتلة هؤلاء يظهرون في الفضائيات بربطات عنقهم اللامعة مبتسمين في وجوهنا العابسة ليقرروا – وبلاهة القَتَلةِ في أعينهم الزائغة – بأنه لم يحدث انتهاك واحد، يتلمظون بذلك وكاميرا الفضائية تلتقط صورة البيت الذي تمَّ احتلالُه ليمثِّلَ خلفية اللقاء، بل إنًّ كبير مستشاريهم “الماهري” دبَّجَ مقالا طويلا قال فيه إنه يخاطب السودانيين” شعراً وحُبَّاً وموسيقى” … مستبطِناً في ذلك سيرةَ سلفه نيرون الذي كان يغنِّي بينما كانت روما تحترق بفعل يديه وأمام ناظريه.

وإن كانت حالة هذا المستشار الهُمام، وجمهرة من قبيله الجنجويدي تستدعي تفسيراً آخر يُضاف إلى السابق، التفسير الذي يمكن أن تسعفنا به الفيلسوفة الألمانية حنا آرندت (1906 – 1975) في كتابها العلامة “تفاهة الشر”؛ ففي تحليلها لحالة المجرم النازي أدولف أيخمان رأت حنَّا أنه لم يكن منحرفًا ولا ساديًا ؛ إذ إنَّ أيخمان “لم يكن يدرك ما كان يفعله بسبب افتقاده للقدرة على التفكير من وجهة نظر شخصٍ آخر؛ فقد ارتكب جرائمه تحت ظروف منعته مِن أن يعرف أو يشعر أنه كان على خطأ”، وهي حقيقة ترتبط ببلاهته وانسلاخه عن حقيقة أفعاله الشريرة وقد سمَّت حنَّا هذه الحالة بتفاهة الشر – أو سماجة الشر إن اخترنا ترجمةً نافذةً لأستاذنا الطيب صالح – أي الحالة التي ينفصل فيها وعيُ المجرم عن فداحةِ جرائمه، وهو ما سنعود إليه مستقبلا تفصيلا سِيَّما أنَّ هناك حالات أنكى وأضل كحالات الربيع عبد المنعم (أنس عمر الجنجويد) وفارس النور( المنتقل من بطولة ميدان الاعتصام لحضن حميدتي بِخِفَّة فراشة) وغيرهم.

نحن لا نعتذرُ أبداً.

لم يعتذرِ “الديش”، أو الجنجويد، أو “الإنغاز”، أو الشرطة – أينَ سمِعْت بهذا الاسم؟! – كما لم تعتذر كل الأنظمة المتعاقبة على حكمنا منذ زمن لا ندريه عن مقتل سوداني واحد، أو عن سلسلة المظالم التاريخية التي لم تترك شبرا واحدا في الوطن دونَ أنْ تريقَ دمَ ضحاياها الصارخ في البريَّة.

نحن لا نعتذر أبدا، ولذا نستمرُّ في تدوير أخطائنا نفسِها بهِمَّةٍ لا تعرف الكلل، ونترك جراحَنا لتندملَ زوراً، ونتمترس خلف مواقف تحصد حصرمها المرير كل مرة ، هكذا كل مرة ” مثل لعبةٍ لا تنتهي والتاريخ لا يكسرها على الإطلاق” مثلما عبَّر بارت في سياق مختلف.

فكيفَ لنا أن نفكِّكَ بؤرَ هذا التمترس المقيت الذي أوصلنا إلى ما وصلنا إليه، وكيف يمكن لعبدة “الأوهام” أيَّاً كان مصدرها أن يفيقوا منها؟

أين يكمنُ الخلل بالضبط: في ثقافتنا المتوارثة التي لا تعرف الاعتذار؟ نظامنا التعليمي المتصلِّب؟ تجذُّر تاريخ القهر الطويل في كياننا – التاريخ الذي لم يمهلنا لحظة واحدة لِنعِبَّ هواءً نقيَّاً؟ هل يتخبَّأ في السرديات الكبرى التي تحكم نظرتنا للعالم وتكيِّفُنا لنراه من وجهةِ نظرٍ واحدة؟ أم يجبُ علينا الحفرُ أعمقَ لتفحُّصِها، هذه البؤر، بوصفها خللا بنيوياً في صميم كياننا الإنساني الذي أثبت التاريخ أنه لا يمكن التعويلُ عليه كما يذهب المفكر علي حرب في سياق مشروعه في تفحُّص الإنسان حيث يرى الحاجةَ ماسةً لمساءلة مفهوم الإنسان لتفكيكه وإعادة بنائه من جديد، وأنه يجب أن نستيقظ من سُباتنا البشري لكي نتعرَّفَ إلى مصائبنا وكوارثنا بوصفها أعطالا أصلية في كياننا وليست مجرَّدَ خللٍ طارئ أو عارضٍ كما نتوهَّمُ؛ وإلا كيف نفسِّرُ هذه الهُوَّةَ السحيقة بين الدعوات الإنسانية والمآلات البربرية التي حكمت تاريخنا البشري الطويل المنهَك بفظاعاته؟ (يُنظر علي حرب، الإنسان الأدنى).

وإذا كانَ الأمر كذلك، أيْ “إذا كانت التصرفات التعصُّبية عبارة عن إحدى ثوابت النفسية البشرية وخميرتها موجودة في أعماق لا وعينا” كما يعبِّر العالم الأنثروبولوجي فرانسوا مافال في “أساسيات التعصُّب” فهل يمكن أن يكونَ الحلُّ في أنَّ “معرفتنا بالطريقة التي يعمل التعصب من خلالها ، والأسباب الكامنة وراء نشأته في دماغ الإنسان هي الطريقة الوحيدة الممكنة للقضاء عليه بشكل فعال لاجتثاث جذوره من دون انتظار المصائب التي يمكن أن تترتب عليه”؟ (أساسيات التعصب:252).

هذا المقال القصير ليس معنيَّاً، بسبب طبيعته ومساحته وآنيَّته، بالبحث عن إجابات؛ ولكن بإثارة التساؤلات حول مرارة هذه الحقيقة: نحن لا نعتذرُ أبداً، وما يحدثُ الآن هو بعضُ ثمارِ ذلك التمترس المقيت خلفَ أخطائنا التي لا تتطهَّرُ بالاعتذار، ولا تُتجاوَز بالمحاسبة.

وآخرُ دعوانا: أنْ لا للحرب، العسكر للثكنات والجنجويد ينحَل.. بعد المحاسبة الشاملة لكليهما عن كلِّ جرائمِهما.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *