بقلم : محمد أحمد عبد السلام
طال الزمنُ أم قصر سيظلُ السودانيون مدينون بعميقِ الحُبِّ والاحترام للسيد بكراوي؛ بكراوي في 21 سبتمبر من العام 2021 صنعَ الحدثَ الأهم خلال الفترة الانتقالية بطولها وعرضها – بالطبع يُستثى من الأحداث حدث حرب ابريل نفسها وما قد ينجم خلال أو بعد الحرب-. ذاك ليس فقط لأن تحرُّك بكراوي برفقة رفاقه كان تحركًا وطنيًّا لضباطٍ شجعان. وإنما لأن بكراوي برفقة جنوده الأحرار تمكنوا من وضعٍ حدٍ فاصلٍ أُوقِف عبره إهانة الشعب واحتقار جيشه. ووُضِعَ حدًّا لدولةٍ يراها الكُل تتفسخ وتتحللُ على مهلٍ أمام مرأى ومسمع من الجميع.
رأينا لاحقًا افادات الجنود والضباط أمام المحكمة العسكرية.. كانت صحوةً وطنية بحق.
وكيف أن الآلة الاعلامية العميلة المدعومة من الغرب سعت لتشويههم وتقديم السرديات المضللة حول فحوى تحركهم العسكري. كيف لا! بعد أن ظهر لنا جليًّا كيف أن الإمبريالية عبر أذرعها تعمدُ إلى تشويهِ وإدانة وشيطنة التحركات العسكرية الثورية للضباط الوطنيين. وكيف أنها اصطنعت وصمة عار حول مفردة “انقلاب” نفسها لكنها بالمقابل تبارك الثورات الملونة، والاحتجاجات الجماهيرية المشبوهة، والحراكات الشعبية الممولة من الخارج.
رغمًا أنّ تحرُّك بكراوي يجري وصفه بالمحاولة الانقلابية “الفاشلة” في الخطاب السياسي والدعائي لوسائل الاعلام إلاَّ أن تحرُّكهُ في سبتمبر كان علامةً فارقة وأبعد مِن أن يُوصف بالفشل؛ ففضلًا عن أن بكراوي ورفاقه ترجموا ضمير مؤسستهم الحانقة التي كانت تغلي غضبًّا إلى تحرّكٍ عملي اتسم بالجرأة ونكران الذات، وتركوا بجهدهم الميمون فعلًا يشهدُ عليه التاريخ أجيالًا بعد أجيال. كذلك لا يمكن غض الطرف عن المكسب الاستراتيجي والمستقبلي الذي حققه بكراوي وشق به العبور من حالة التيه والضياع؛ فبكراوي مهَّدَ الطريق الذي منهُ بدأت رحلة استعادة الدولة وانتزاعها من فك المرتزقة والعملاء والقوادين. حيثُ ظلَّت الأحداث بعدها في تسارُعٍ ملحوظ يمضي نحو إنهاء العبث بمصير الملايين. إذًا بكراوي عبَّد الطريق لإجراءات 25 أكتوبر وهي إجراءات على تعثرها وعجزها عن مراكمة مكاسب صلبة، إلاَّ أنها ضربت ذراع اليسار الليبرالي المرعي من السفارة البريطانية والاتحاد الأوروبي، وسمحت بالمقابل للمجموعات اليمينية المحافظة بالصعود. أي أنها عدّلت ميزان القوة المختل. كما أنَّ الواقع ما بعد إجراءات 25 أكتوبر شهد تقلَّصًا واضحًا للمساحة التي كان يتحرّك فيها قائد المليشيا بكل رحابة بفضل الإسناد السياسي الذي كانت تقدمه له قوى الحرية والتغيير كرافعة سياسية -وهنا تجدرُ الإشارة إلى أن تحالف الحرية والتغيير مع الدعم السريع لم يكن وليد حرب إبريل كما يظنُ الكثيرون-. تراجع نفوذ حميدتي بشكلٍ ملحوظ ما بعد الخامس والعشرين من أكتوبر؛ فلم يعُد حميدتي رئيسًا للآلية الاقتصادية، ولا النجم السياسي المسرحي الأبرز، ولا “معلم كلو” كما كان، وارتخت قبضته التي كانت مُحكمةً تمامًا على مجموعة جوبا وعجز عن تسخيرها سياسيًّا لصالح طموحه السلطوي خدمًا على بلاطه كما كان عليه حالهم قبل 25 أكتوبر . بالطبع أدرك قائد المليشيا الأحمق خطأهُ في مباركة إجراءات 25 أكتوبر كما لو أنه خُدع وبلع الطُعم -أظنه عبَّر صراحةً أكثرَ من مرةٍ عن ندمه بماركته ل 25 أكتوبر-. يُؤكد ذلك سعي عبد الرحيم دقلو -في الزمن بدل الضائع- لرعاية اتفاق يُعيد حمدوك للمشهد من جديد عبر صفقة سياسية (اتفاق نوفمبر) لتلافي خطأ مشاركتهم في إجراءات أكتوبر في محاولةٍ -باءت بالفشل- لإعادة الخطى إلى الخلف.
وجب أنّ نُحي اليوم -وكل يوم- بكراوي ابن المدرعات ورفيقه البطل نصر الدين، وكافة الضباط الوطنيين الذين ضحوا لأجل بلدهم.. ودفعوا في سبيل ذلك الثمن غاليًا؛ إبعادًا وطردًا من الخدمة بل ورميًا في السجون والمعتقلات.
لذا فنحن مدينون لبكراوي وللضباط الأحرار بالكثير.. فلولا الثورة البكراوية الظافرة لكن السودان اليوم شبه مستعمرة واقطاعية ضخمة مملوكةً لآل دقلو يشرفُ على تسيير شؤونها طقمة مُنحطة من السندة والقوادين. ليُكتب على السودانيين عهد رقٍ، وعبودية، ووضاعة كامل الملامح والأركان يعيشون فيه عبيدًا بؤساء أذلاء حُقراء الشأن.
التحية للبطل العظيم عبد الباقي بكراوي، والتحية لأبطال المدرعات الصامدون على الثغور وعلى خطوط المواجهة الأمامية مع العدو بكل صبر وثبات.
والنصر للأبطال والموت للمرتزِقة الخونة.
