إشكالية الدعم السريع
بقلم: قصي همرور
في هذه المقالة، نحاول استجلاء تساؤلات عامة تساعد في فهم الموقف المطلوب تجاه إشكالية ما يسمى بقوات الدعم السريع، وما يعنيه وجودها واستمراريتها بالنسبة للسودان كشعب وكدولة. ذلك لأنه قد تبدى أن بعض المعلومات والتوصيف قد يساعدان في استيعاب إشكالية هذا الوجود والبُعد عن تخفيفه (أو جعله يبدو كحالة غير استثنائية جدا) وتخفيف عواقب ذلك الوجود واستمراره.
ما هو الدعم السريع؟
في كتابه “قوات الدعم السريع: النشأة والتمدد والطريق إلى حرب 2023″، الذي صدر في يونيو من هذا العام، عن مركز أبحاث السودان، يسرد الدكتور سلمان أحمد سلمان قصة ظهور الدعم السريع، منذ أصوله كجنجويد محاربين مستأجرين ومسلحين من قبل “حكومة الحركة الإسلامية” [الكيزان] للقيام بمهام مقارعة حركات المقاومة المسلحة في دارفور ومهام أخرى تطلبت الكثير من العنف ومن إطلاق اليد في دارفور. في سرده يوضح سلمان مستويات الإنفاق الحكومي على تلك القوات (وعلى حساب القوات النظامية الرسمية) ومستويات منحها البراح الاقتصادي والاجتماعي لفعل أي شيء تراه كفيلا بتأدية مهامها والحصول على النتائج التي تريدها الحكومة. تدريجيا، صارت هنالك حاجة لتأطيرها قانونيا، وهو ليس تأطيرا بمعنى وضع شروط وضوابط قانونية على تشكيل تلك القوات وممارساتها أكثر من كونه تأطيرا بمعنى إعطائها صفة قانونية لتستمر في أنشطتها وتتوسع فيها، بل وتجد لها مصادر دخل أخرى أقرب لتصرفها الاحتكاري (وهي مصادر تُعد من موارد الدولة والشعب). يسرد أيضا، بوضوح، كيف قام الكيزان “بإرساء قواعد قوات الدعم السريع وتقويتها، وتزويدها بالمال والعتاد والتدريب وكل فرص التمدد والتوسع، بالإضافة إلى الحصانة والحماية من أية إجراءات قانونية على أفرادها وممتلكاتها” (صفحة 24). ثم يتطور الأمر حتى يبلغ حصول قائد قوات الدعم السريع على صفات قانونية ومناصب دستورية وامتيازات وسلطات متصاعدة لم يحصل أن اجتمعت لأي شخصية سودانية في العصر الحديث من قبل وبهذه السرعة. من أطرف تلك السلطات والامتيازات أنه في التأطير القانوني لقوات الدعم السريع لا يوجد أي ذكر لكيفية اختيار ذلك القائد بخلاف تعيين رئيس الجمهورية له – إذ ينبغي قانونا توفير معايير لتنصيبه وفترته، باعتباره منصبا في الدولة، وبالتالي يمكن استبدال صاحبه عندما يقضي فترته أو حسب سير الأمور، وهذا أمر بديهي ينطبق حتى على منصب رئيس الدولة ورئيس الوزراء ومنصب القائد العام للقوات المسلحة، فما بالك بغير ذلك – كما لا توجد أي ضوابط ملموسة لديه بخصوص التصرف في قيادة قواته وتنظيمها؛ فقط كانت معظم المسائل القانونية تتعلق بمن يرفع قائد الدعم السريع تقاريره إليه وكيف، وفق ذلك، يمكن تضمين الدعم السريع ضمن منظومة الدولة ولو شكليّا. (كانت هنالك فقط مواد تتعلق بحالات الحرب الواسعة وانضواء الدعم السريع تحت قيادة القوات المسلحة، لكن تلك المواد تقلصت مع النسخ اللاحقة للقانون). ورغم كل هذا البراح القانوني فقد اتخذ قائد الدعم السريع براحا عمليا أكثر، إذ بينما القانون يقول بتعيين مجلس لقوات الدعم السريع إلا أن هذا المجلس لم يتشكل أبدا وبقيت جميع السلطات والصلاحيات محتكرة لدى قائد القوات فحسب. أما الحماية والحصانة لأفراد الدعم السريع من الملاحقة القانونية بسبب أي جرائم يرتكبونها فهي من أكثر الأشياء وضوحا في تلك القوانين.
هذا وتفاصيل أخرى مذكورة في كتاب سلمان سابق الذكر. ولبعض الفائدة، وللتحفيز على القراءة، نورد مقتبسات تلخيصية من خاتمة الكتاب (الصفحات 76-78):
“ما وُلد كميلشيا صغيرة العدد، لا تتعدى الخمسمائة فرد، في عام 2003، يحمل أفرادها البنادق على أكتافهم، وصل به الأمر إلى أن يفوق عدد قواته في أبريل عام 2023 المائة وعشرة ألف مقاتل. وهذا العدد يوشك أن يكون مساويا لعدد القوات المسلحة السودانية. وتمتد المساواة أيضا إلى العدة والعتاد. كان ذلك التمدد خلال العشرين عاما الماضية أفقيا ورأسيا، وعسكريا واقتصاديا وسياسيا، موّلته في البداية حكومة الحركة الإسلامية من عائدات النفط الكبيرة التي تم صرفها بدون رقيب أو حسيب على قوات الدعم السريع. وعندما ذهب النفط مع أصحابه في عام 2011، كان البديل ذهب دارفور الذي أصبحت بعض جباله ملكا خاصة لقوات الدعم السريع. ومع الثروة توسعت السلطة، ومع السلطة تنامت الثروة. قويت واستطالت شوكة قائد قوات الدعم السريع فوصل في زمن وجيز إلى رتبة فريق أول – نفس رتبة البرهان (مع الفارق فقط أن البرهان فريق أول ركن) رغم عدم حصوله على أي تعليم رسمي أو عسكري، ورغم أنه لم يصل الخمسين عاما من العمر. وبالتوازي فقد تسلق قائد قوات الدعم السريع الهرم الدستوري بسرعة غير مسبوقة ليحتل مركز الرجل الثاني في الدولة، وليمتد نفوذه عبر مشاركته في عدد من الحروب والمهام الإقليمية [كحرب اليمن وعملية الخرطوم]…. وسافر هذا القائد ليمثّل السودان في عدة محافل إقليمية ودولية، بما في ذلك روسيا، حيث تمّت مقابلته بالبساط الأحمر، والتعامل معه كرئيس دولة. وتمدد القائد حميدتي وبسط سلطاته محليا وخلق تحالفات مع بعض قيادات الإدارة الأهلية والطرق الصوفية وحتى مع بعض النقابات. وامتدت صلاحيات حميدتي الدستورية كنائب لرئيس مجلس السيادة لتشمل نواحي سياسية مثل رئاسة الوفد الحكومي لمفاوضات جوبا، ونواحي فنية وإدارية مثل رئاسة اللجنة الاقتصادية في حكومة حمدوك، والتي شملت عضويتها رئيس الوزراء ووزراء القطاع الاقتصادي ومحافظ بنك السودان.
لقد شمل سردنا في الفصول السابقة نقاش الإطار والخارطة السياسية والقانونية لقوات الدعم السريع منذ بداية حرب دارفور عام 2003، مرورا بهيكلة هذه القوات عام 2013، ثم تقنين وجودها عام 2017، وتحصينها من الدمج عام 2019، ثم التوافق على دمج مشروط، وتوسعها وتمددها حتى اندلاع حرب أبريل 2023. وقد سردنا ببعض التفاصيل دور حكومة الحركة الإسلامية والفريق البرهان في قيام وتقنين [وتدريب] وتوسع وتمدد هذه القوات خلال هذه السنوات. وكما أوضحنا وذكرنا مرارا، فإن قوات الدعم السريع قد خرجت من رحم الحركة الإسلامية، ورضعت من ثديها، ونمت وترعرعت في حضنها، وقويت واستطالت في كنفها. ثم جاء البرهان ليواصل ويكمّل ما بدأه إخوة الدرب والدين.
أكدت هذه الفصول أيضا أن محاولات الإبقاء على جيشين يكادان يكونان متساويين في العدد والعدة والعتاد، في أي بلد، هي فرضية عبثية، وتعكس الكثير من الاستهتار واللامسؤولية من جانب حكومة الحركة الإسلامية، ثم من جانب البرهان المدعوم بالحركة الإسلامية. وقد برزت عبثية إمكانية الإبقاء على جيشين متساويين ومستقلين بوضوح في المحاولات الساذجة لخلق علاقة توازن بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، والتي ناقشناها بالكثير من التفاصيل في الفصول السابقة من الكتاب. ويمكن وصف تلك المحاولات بإنها كانت تهدف إلى دمج قوات الدعم السريع وبقائها مستقلة في نفس الوقت. كانت تلك المحاولات العبثية شبيهة، كما يقول أهل الغرب، بمحاولات أكل الكيكة والاحتفاظ بها. فلم يحدث في التاريخ الحديث للعالم وجود جيشين في بلد واحد…. لقد أطلّت نذر الكارثة التي يمر بها السودان اليوم بوجهها عام 2013 عندما قررت الحركة الإسلامية إعادة هيكلة ميليشيات الجنجويد ومدّها بالمال والعتاد بلا حدود، والتعامل معها كقوة عسكرية “لحماية” النظام من أي انقلاب أو ثورة….” [انتهى الاقتباس]
من مجمل هذا التاريخ الموجز، حول النشأة والتمدد، يمكننا تقديم تعريف مختصر لقوات الدعم السريع كما هي حاليا. ما يسمى بالدعم السريع (كإشارة عامة) منظومة كبيرة مملوكة لعائلة، وهذه المنظومة تتصرّف بصفة خارجة عن سلطة الدولة بينما تعتمد على الشرعية التي توفرها لها قوانين وموارد الدولة، وهذه المنظومة لها قوة عسكرية كبيرة (تُستعمَل لتقديم خدمات مدفوعة الأجر لجهات خارجية ولتوطيد سلطاتها داخليا)، ولديها تكتل أعمال تجارية واستخراجية وبزنس مدعوم بحصانة قانونية، كما لهذه المنظومة شبكات علاقات خارجية بمستويات سياسية واقتصادية عالية، وتغلغلات في المجتمع المدني والأهلي—كل هذا بينما السلطة هنا تعود لعائلة معيّنة. وهذه المنظومة – الدعم السريع – تتخذ من السودان قاعدة لها (بينما لا تنحصر أنشطتها على الحدود الجغرافية للسودان ولا تنحصر مواردها البشرية على المواطنين السودانيين) وتمارس في دولته ومجتمعه ممارسات وأنشطة بوضع اليد بينما لا يطالها القانون ولا قوة الدولة.
وفق كل هذا فلعل الوصف الصحيح لماهية الدعم السريع هو أنه “إقطاعية” اقتصادية وعسكرية وسياسية–إقطاعية لأنه مملوك لعائلة، ولأنه يتصرف باستقلالية عن الدولة الرسمية وبموازاة لمؤسساتها. ولو كنّا في عصر غير هذا العصر، أي لو رجعنا بعصرنا هذا 150 أو 200 سنة للوراء، في منطقتنا هذه، لربما كان وجود إقطاعية كهذه غير مستغرب. لكن في القرن الحادي والعشرين، ووفق تسلسل تاريخ شعوب السودان وافريقيا حتى هذا العصر، ووفق المناخ الكوكبي في صيغ الحكم وتعريف الدولة العصرية، فوجود هذه الإقطاعية شاذ جدا، وله عواقب لا يمكن استسهالها على طبيعة الدولة والمجتمع.
وإذا استنفرنا خيالنا ومعلوماتنا أكثر، وأردنا أن نستخرج نماذج شبيهة بـ”إقطاعية دقلو” في هذا العصر (حسب معلوماتنا، والتي لا نزعم أنها شاملة)، فربما نقول إنها خليط من ثلاثة نماذج: مجموعة فاغنر الروسية، والتْشايبول الكورية، والمافيا. بالنسبة لمجموعة فاغنر فالشبه موجود في طريقة التكوين الأولى وفي الصلاحيات العسكرية الموازية للجيش، بالإضافة للانضواء تحت قيادة شخص واحد اصطفاه رئيس جمهورية بسلطات شمولية. كذلك يوجد الشبه في أن الطريقة التي ظهرت بها القوات الموازية لم تكن من أجل قضية عادلة أو عقيدة جديدة أو عبر التصعيد من قاعدة اجتماعية مشروعة، بل عن طريق تعاقد مع سلطة الدولة لأداء مهام حربية مقابل مكافآت مالية وامتيازات (الأمر الذي يطرح كذلك أسئلة صعبة حول مدى استمرارية ولاء تلك القوات للعائلة الحاكمة، وما يمكن أن تنفرج عنه السيناريوهات إذا انفرط عقد ذلك الولاء مع بقاء السلاح بأيدي جماعات وأفراد مشتتين ومتوجسين؛ كما لا ننسى أن العائلة نفسها تعتمد في دائرتها القريبة منها على ولاءات عشائرية كذلك، وهذه تختلف عن مجرد التعاقد الوظيفي مع الدعم السريع). لا نعرف في اللغة العربية مسمى آخر لهذه الممارسة، حتى الآن، غير الارتزاق. وفوق ذلك فهذه الإقطاعية لا تشبه فاغنر لأنها – أي الإقطاعية – تشتغل شغلها العسكري داخل وخارج السودان، بينما تشتغل فاغنر عسكريا خارج حدود روسيا فحسب وتكتفي بأعمال البزنس داخل حدود روسيا. ثم هنالك الشبه مع حالة التْشايبول، والتشايبول كلمة كورية تتألف من مقطعين (تْشاي–الثروة أو الممتلكات + بول–فصيل أو عشيرة) وهي ائتلافات تجارية وصناعية متمددة محليا ودوليا تنضوي عادة تحت عائلة من العوائل الكبيرة ولديها علاقات قوية وتسهيلات ممتازة مع سلطة الدولة في نظام رأسمالي لا يمانع الاحتكارية الشركاتية الكبرى، وقد اشتهر هذا النموذج في كوريا الجنوبية. تتشابه الإقطاعية هذه مع التشايبول على مستوى البزنس ومستوى اعتمادها على غطاء الدولة وتسهيلاتها القانونية والإجرائية لتمدد هذا البزنس. أما وجه الاختلاف فهو أن التشايبول لا تملك قوة عسكرية خاصة بها تناهض قوات الدولة بل تعتمد في بقائها وازدهارها على علاقتها الجيدة مع سلطة الدولة ومؤسساتها كما تحتاج للالتزام بالقانون كغيرها من الفاعلين داخل الدولة. وأما وجه الشبه مع المافيا فهو أن المافيا تكبر وتتفرع في ظل الدولة – رغم مجمل أنشطتها الإجرامية في حق المواطنين وضد القانون – حتى تصبح لديها مستوى من القوة الموازية للدولة (خاصة إذا ضعفت الدولة هيكليا)، الأمر الذي أدى أحيانا لأن يصف البعض الجريمة المنظمة بأنها إحدى السلطات الأخرى المعروفة في الدولة (بجانب السلطات الثلاث الرئيسية: التشريعية والقضائية والتنفيذية، وبجانب السلطة الرابعة: الإعلام). تحديدا يسميها البعض “السلطة الخامسة” أو “السلطة السادسة” (ولنا طبعا مشكلة مع هذه التسمية، باعتبار أننا نرى أن السلطة الخامسة هي التكنولوجيا، وأن تسميتها كسلطة يعطيها اعترافا قانونيا واجتماعيا). أما أحد وجوه الاختلاف فهو أن المافيا لم تطمح لأن يكون لها قانون مجاز بواسطة برلمان الدولة يبيح وجودها ويبيح جملة أنشطتها.
بقاء الدعم السريع وفناؤه: ماذا يعنيان؟
في الظروف الحالية، وبعد أن آلت الأمور إلى حرب مفتوحة في السودان، أحد طرفيها الدعم السريع، وبعد أن رأينا إمكانيات الدعم السريع على نطاق أوسع، وبعد أن رأينا طريقة ممارسته للحرب وطريقة تعامله مع المدنيين العزّل وممتلكاتهم ومع مرافق الدولة ومع حرمات المجتمع، ورأينا مستوى سقفه الانضباطي والأخلاقي، أصبح من المهم، أكثر من ذي قبل، الحديث عن مستقبل ما يسمى بالدعم السريع، لأن هذا المستقبل مرتبط بشكل أساسي بمستقبل السودان، كشعوب وكدولة.
في الفترة القادمة، يبقى الدعم السريع – أي يحافظ على بقائه – إذا بقي محافظا على التعريف أعلاه، كإقطاعية نادرة وخطيرة، أي إذا بقيت هنالك منظومة مملوكة لعائلة وبهذه الأذرع الأخطبوطية التي تجعلها فوق سلطة الدولة وفوق أي تعريف للمواطنة في الدولة العصرية. وهذا البقاء، بهذه الطريقة، يتنافى جذريا مع مسائل أساسية في المجتمع الحديث: مثل مسألة الدستور ومسألة المواطنة، ومسألة احتكار الدولة للقوة العسكرية، ومسألة احتكام جميع من في الدولة للقانون. فالصورة الوحيدة التي يمكن أن يبقى فيها الدعم السريع كما هو، داخل دولة السودان، هو أن يتحول السودان إلى بلد إقطاعيات سلطوية، بحيث أن هنالك بعض الناس فوق صفة المواطنة، وإذا صار بعض الناس فوق صفة المواطنة فإن صفة المواطنة نفسها تنتفي في الدولة العصرية، لأننا سنصبح في دولة تقبل بوجود أمراء إقطاعيين (نبلاء) ورعايا وليس مواطنين، وهؤلاء الرعايا تحت رحمة الإقطاعيين، حسيا ومعنويا. وهذا تغيير في طبيعة الدولة كلها، وهو تغيير أسوأ حتى من عسكرة الدولة وشموليتها (وقد كتبنا عن عسكرة الدولة وخطرها الكبير من قبل، في مقال “عسكرة الدولة، عسكرة الحياة” المنشور في فبراير 2020 والمعاد نشره بتصرّف داخل كتاب “حوكمة التنمية: قضايا وأطروحات”). ومن السيناريوهات التي لا يمكن استبعادها تماما، في حالة بقاء الدعم السريع، أن تتمدد تلك الإقطاعية نفسها لتبتلع الدولة كلها، وربما تتمدد إلى أبعد من ذلك، ما دامت لديها ولاءات عشائرية تعتمد عليها كمخزون سياسي-استراتيجي يتجاوز حدود السودان الغربية.
كما يفنى الدعم السريع بانتفاء التعريف أعلاه، بحيث لا تكون هنالك إقطاعية كهذه، تحكمها عائلة أو عشيرة متوارثة ثم هي متمددة بأذرع عسكرية ومدنية وبزنس وعلاقات خارجية باستقلال عن مؤسسات الدولة وقوانينها وشروط المواطنة. وانتفاء الدعم السريع هذا قد يحصل بالقوة (أي الغلبة الكاملة في الحرب) وقد يحصل بالوسائل السياسية، أو بكليهما. وإذا نظرنا للواقع الماثل فإن تطوّر الأوضاع في السودان حاليا يقول إن فرصة الانتفاء أن يحصل بكليهما، فالحرب بدأت وفق احتقانات جعلت من حدوثها مسألة وقت فحسب (بينما كان من الممكن تفاديها قبل توسع الدعم السريع كجيش موازي وليس بعد ذلك)، لكن ينبغي لهذه الحرب الآن أن تقف في أقرب فرصة ممكنة بسبب التكلفة العالية على الشعب وبسبب إحداثها لانتكاسة كبيرة في مسيرة الثورة. بيد أن المفترض من الحرب أنها ساهمت ولو بقدر مُقدّر في عملية التخلص من الدعم السريع عن طريق إضعافه وعن طريق بذل الدرسين القاسيين: توضيح طبيعته للجميع وتوضيح أنه لا يمكن أن يستمر في السودان ثم تقوم للسودان قائمة كدولة وكشعب متقدمين (وإلا فنقول إن دماء وحرمات الناس التي انتُهكِت كلها ذهبت في غير طائل وأن الأسوأ ما زال في انتظارنا مستقبلا). يمكن إكمال مسيرة التخلص من الدعم السريع بالوسائل السياسية، عن طريق أن تكون هناك قوة سياسية وشعبية كافية تجعل الوسائل السياسية ممكنة. حاليا، هناك حرب قائمة، ومن أجل أن يدخل الدعم السريع في مفاوضاتها من موقع ضعف نرجو أن لا ينتصر أو تكون عنده شبهة نصر، وهذه مرحلة (والدور الأكبر فيها بالطبع للقوات المسلحة السودانية، رغم ما لدينا من تحفظات كثيرة عليها لكنها الآن، وفي حالة نادرة في تاريخها، تقوم بإحدى مهامها الحقيقية ضمن مؤسسات الدولة العصرية، رغم اختلاف دوافع كبار الضباط الذين كانوا مطية للكيزان ثم لآل دقلو حتى وقت قريب). بعد ذلك تأتي مرحلة وجود قوة سياسية عاقلة وكافية في السودان لا تسمح لمؤسسة الدعم السريع أن تبقى بأي صفة من صفاتها المذكورية عاليه في الدولة أو المجتمع المدني أو السوق، وذلك يعني أن أنشطة الدعم السريع الحالية، الموازية للدولة وللقانون، ينبغي إنهاؤها بتفعيل الدولة وتفعيل القانون، ثم التصرف بصورة منضبطة واستراتيجية في الموارد المادية والبشرية التي احتكرها الدعم السريع، ثم الحد من تمدد سطوة العائلة الإقطاعية حتى يصبحون مواطنين، يعامَلون بموجب استيفاء شروط وحقوق المواطنة، لا أكثر ولا أقل.
إلى أين نحن ذاهبون؟
كما جاء، فلا مجال لمقارنة وضع منظومة الدعم السريع (أو إقطاعية دقلو) بوضع أي جهة أخرى صاحبة شأن وقاعدة سياسية واقتصادية في السودان اليوم (وقد ذكرنا سابقا استحالة تشبيهها بحركات المقاومة المسلحة، لأن قصة تشكيلها وصعودها وتضخمها في كنف الدولة والقانون نقيض لقصص ظهور حركات المقاومة المسلحة، ونقيض كذلك للأهداف السياسية والقواعد الاجتماعية التي تبني قوام الحركات المسلحة)، كما يصعب مقارنتها بنموذج آخر متوفر في العالم حاليا حسب علمنا (إلا ربما عن طريق دمج عدة نماذج صعبة، مثلما فعلنا في التعريف عاليه).
لا جدوى إذن من مقارنة هذه الحالة العجيبة بأي حالات معيّنة معاصرة ومستقرة في عالمنا اليوم. ولذلك فمجرد محاولة التعامل مع هذه الحالة بشيء من القبول – كأمر واقع أو كأمر لا بأس به – يجعلنا نخرج من شروط التاريخ المعاصر، ولن نخرج ناحية المستقبل.
[لكن، وللمفارقة، يمكن مقارنة هذا النموذج بنماذج تاريخية ما قبل وصول الدولة العصرية للسودان، وبالتحديد نموذج صعود الزبير باشا رحمة للسلطة في دارفور. وهي مقارنة عامة، ذكرناها مسبقا، تتعلق بتشابهات الظهور في الميدان العام عن طريق مزيج القدرات التجارية والحربية المبرزة، ثم التطور من المهام الحربية والتجارية المتفرقة إلى طموحات التملك الإقطاعي وممارسة سلطة الحكم في رقعة جغرافية، ثم تمدد تلك السلطة وتلك الرقعة عبر المزيد من توسع القوة العسكرية والاقتصادية على حساب آخرين، ثم التحالف مع سلطات خارجية كبيرة والاستقواء بها على المنافسين المحليين والحصول منها على اعتراف أوسع جغرافيا ودبلوماسيا…. ولا ندري إلى أي مدى ستمتد صور المقارنة، فالمستقبل غير معروف لدينا بعد.]
بطبيعة الحال، وبما أن فناء الدعم السريع (بالطريقة التي وصفناها عاليه) سيجرّد آل دقلو بالذات من إقطاعيتهم التي بنوها عبر العقدين الماضيين – عن طريق الكيزان وعن طريق موارد الدولة وعن طريق تواطؤ قيادات الجيش، ثم ببعض شطارة التجار الذين يتاجرون في كل شيء بدون سقوف – ففي الغالب فإن هذه العائلة ومن حولها من المؤازرين والمنتفعين لن يتنازلوا عن إقطاع كهذا بيسر وتفهّم. إذا انتصروا انتصارا واضحا، أو برزوا في التفاوض كمتقدمين في ميدان الحرب أو أصحاب أسهم أعلى، سيحاولوا أن يجعلوا لوضعهم هذا مزيدا من التقنين، وهذا لن يتأتى إلا بتغيير طبيعة الدولة نفسها لتصبح دولة إقطاعيات واحتلاب للموارد بواسطة تحالفات محلية وإقليمية (فما دامت الدولة تسمح لعائلة واحدة أن تكون إقطاعية كهذه فهذا يجعل الدولة كلها مختلفة عن الدولة العصرية وقابلة لنموذج الإقطاعيات بصورة عامة، الأمر الذي يستبدل المواطنين بــ”نبلاء ورعايا” في نهاية الأمر، ويستبدل صيغة الحكم المطلوبة عن الحكم الدستوري، ناهيك عن استمراء واستمرار الممارسات الوحشية والتغولية التي عُرِف بها الدعم السريع وصارت جزءا من هويته). وإذا لم ينتصروا إنتصارا واضحا، أو لم يبرزوا في موقع قوة أعلى في التفاوض، فعلى الأقل سيحاولون المحافظة على معظم الميزات عن طريق التنازل عن بعضها لضمان البقية. وفي مجمل الأحوال فإن الدعم السريع لا يدخل الميدان السياسي ويتحرك فيه من أجل مصلحة كبرى للدولة أو للشعب في السودان، حتى لو تظاهر إعلاميا بذلك أحيانا وحسب ما تقتضيه التحركات والمماطلات (مثل أن تحاول الإقطاعية أن تعيد تقديم نفسها كحركة سياسية ذات قضية، عن طريق تقديم برنامج سياسي عام جدا، مكتوب على ورق ومدفوع ببعض موظفيها، ببساطة).
أو، ربما يتمدد الشبه التاريخي مع حالة الزبير باشا، ليكمل القصة كما جرت بقية قصة الزبير، وهي الخروج من السودان، بالطريقة التي تمت للزبير (وهذا السيناريو أشرنا له إشارات بسيطة في كتابات سابقة أثناء الفترة الانتقالية)، حيث لم يقم من هم داخل السودان أنفسهم بنفيه إنما أصبح يشكّل مصدر إزعاج وبعض التهديد لنفس الجهات الخارجية الكبيرة التي استقوى بها داخليا، فقررت التخلص منه بصورة ناعمة ولم تكلف الكثير، ومع غيابه من المشهد المحلي ذابت إقطاعية الزبير باشا بصورة تدريجية لكن أكيدة. ولعله من أجل أن يحصل هذا السيناريو ستكون هنالك حاجة لتصاعد الضغط السياسي والإعلامي، عبر مجهودات شعبية وتضامنية منظمة، ليس للتأثير على الدعم السريع فحسب وإنما للتأثير كذلك على من يشكّلون درعا وظهيرا دبلوماسيا وإعلاميا، وماليا ولوجستيا، للدعم السريع خارج السودان، حتى يصبح أولئك في وضع تصير معه التكلفة السياسية عليهم إذا استمروا في “دعم الدعم” أعلى من تكلفة “رفع الدعم” عنه.
فهل آفاق وطموحات إقطاعية، ارتقت مرتقيات سريعة في سياق تاريخي وسياسي مليء بالتناقضات والمواريث السيئة التي سهّلت لها فلتة من فلتات الزمان، أهم من آفاق وطموحات وآفاق الشعب كله، صاحب الأرض وصاحب التاريخ وصاحب السلطة الشرعية؟ هذا تساؤل يُطرَح للرأي العام السوداني ككل، وللفاعلين السياسيين والعسكريين/المسلّحين السودانيين، ذوي الضمير، وللرأي العام العالمي الإنساني كذلك، في هذه الأيام العجيبة.
