د. عبدالاله دودة -نيوهيفن- الولايات المتحدة
د. عبدالاله دودة قد يبدو هذا العنوان غريبا اذا تصدر راس هذا المقال قبل اربعة اشهر او اكثر. وقد يثير هذا العنوان فضول الكثيرين للاطلاع عليه اذا ظهر على غلاف اي كتاب كما فعلت رواية عبدالعزيز بركة ساكن، “مسيح دارفور”. وقد يذهب خيالنا بهذا العنوان ابعد من ذلك فنعتبره فيلما من افلام هوليود المرعبة والتى تخلل مشاهدته لقطات مخيفة تغلق لها العيون بين الفينة والاخرى .، ولكن حياة تحت حكم الجنجويد صار واقعا حقيقيا عاديا يعيشه ما تبقى من سكان مدينة الجنينة المكلومة اليوم بكل تفاصيله. منذ مجزرة ١٥ يونيو ٢٠٢٣ والتى استباح فيها الجنجويد المدينة بعد قتل واليها وتهجير سلطانها وسكانها، اصبحت المدينة بطولها وعرضها تحت رحمة الجنجويد واتباعهم. صاروا اصحاب العقد والحل فيها، غدوا السلطة المطلقة في المدينة بعد اعلانهم سقوط سلطنة المساليت وقيام سلطنة الجنجويد كما شاهدناه على فيديوهاتهم في السوشيال ميديا. الجنينة اليوم مدينة اشباح خلت من اي مظهر من مظاهر الحياة الرائجة التى كانت تسودها . صارت ممتلئة بمواكب الجنجويد المدججين بالسلاح الذين يجيبون شوارع المدينة شرقا وغربا ولا يدرون ماذا يفعلون بها بعد ان افرغوها من سكانها بالقتل والتهجير. ما تبقى في الجنينة من سكان اصابهم الهزال الجسدي والنفسي من تأثيرات الحرب وتداعياتها التى بدت واضحة في ملامحهم وتصرفاتهم. حركاتهم يكتنفها الحذر وكلامهم يشوبه التوجس والخوف. مؤسسات المدينة كلها وخاصة تلك التى تقع في الجزء الجنوبي منها صارت خرابا” لا حياة ولا حركة فيها. “المباني والمؤسسات من البوستة القديمة الفاصلة بين حي النهضة والزهور في شرق المدينة وحتى حي جمارك في اقصى الغرب اصبحت دمارا، لا تجد مبني واحدا سالما من الحريق وصالحا للاستخدام”. يقول عثمان الذي لجأ الى ادري قبل يومين. ويضيف “كل هذه المباني صارت خرابا ينعق فيها البوم”. ارتكازات الجنجويد المدعومة بالصواريخ والمدافع المتنوعة تقبع في كل ركن من اركان هذه الاحياء، علامات الخوف والريبة تلوح على اعين جنودهم الملفحين بالكداميل. تقول سعاد: “دخلت حينا، حي المجلس وخرجت منه مرعوبة هاربة من شدة ما اصاب الحي من خراب وخلوه من الناس.. “لم اشاهد احدا في الحي سوي ارتكازات الجنجويد الجاثمة في ميدان البرهانية وشرق مدرسة الامام الكاظم وحفنة من الشباب يجلسون امام شجرة النيم غرب منزل الاستاذة منيرة. تخيلت نفسي في حلم مرعب لم استفيق منه الا بعد ان خرجت من هذا المكان، الذي كان يوما ما احب مكان الى نفسي!!!” احياء الثورة والتضامن والزهور والمرابيع الغربية من الجبل والمدارس والجمارك اخليت تماما من سكانها وقام الجنجويد بحرقها بعد ان تم نهبها. تحدث معي ابكر في مكالمة تلفونية من ابشي، انه بعد ما تم نهب مقتنياتهم واثاثهم، بدا الجنجويد في قلع ابواب ونوافذ منازلهم. تكلم معي باسى وحسرة يندي لها الجبين” انا لن اعود الى الجنينة ابدا في ظل حكومة الجنجويد. نهبوا متجري في السوق وحرقوا ونهبوا منزلي وعندنا شرعت في الهروب من الجنينة الى ادري، اوقفني الجنجويد في الطريق واذلوني ايما اذلال، جردوني من كل ما املك وجلدوني جلدا مبرحا كالطفل امام ابنائي حتى اغمي على. الحمد لله خرجت بعد كل هذا حيا، وكم رأيت رجالا قتلوا امامي في الطريق الى ادري” . تؤكد سعاد ذلك بان اخوها الامين ظل متنكرا بانه ميتا ملطخا بالدماء ومستلقيا على الارض مع القتلى مدة يوما كاملا وذلك بعد ان اطلق عليهم الجنجويد النار بصورة عشوائية في الطريق بين ادري والجنينة بعد ان اتهموهم بانهم مسلحين ومن قبيلة المساليت! الاحياء الشمالية التى لم يتم حرقها ايضا خرج معظم سكانها الي تشاد في ظل ضغوط حكومة الجنجويد الديمقراطية وسوء احوال المعيشة. ادريس يعلق” حكومة الخلا” الجماعة لافين في الحلة حي شاطئ والامتداد والسلام والنسيم وسوق العرديبة . “مسالتي ومتخفي في هذه الاماكن وقبضوك، طلقة في الراس. والله الناس كلها عايشة زي ‘الجداد الدقاهم الموية’، رؤوسهم منكوسة.”!!!ويضيف ما في مستشفى، ما في مدرسة، ما في مكتب حكومة، ما في سوق ما في ما في …….،ما في اي حاجة، حكومة عرب صر! واوع تتغفل ويتهموك انك مع مساليت! ما في سجن حكمك طلق بس!” . ويضيف “ورغم وجود المؤنة البسيطة من الغذاء والماء والدواء، اصاب الناس الفلس المدقع ولا يستطيعون شراء ابسط الاشياء”. يواجه السكان الموجودين في الجزء الشمالي من المدينة مجاعة حقيقية، واذا ما استمرت الاوضاع بهذه الطريقة سوف يهرب ما تبقى من ناس الى اماكن اخرى يجدون فيها لقمة عيش كريمة. يذكر عبدالكريم: “من شهر ابريل ما في مرتبات وماقي بنوك وما في اي بضاعة دخلت الجنينة من اي اتجاه” ويضيف معلقا: “الجنجويد سرقوا كل المواد التموينية وخزنوها في بيوتهم وهم يعيشون بها ويتركون بقية الناس يموتون. مزايا الغني بادية عليهم حيث بدأوا يرفلون في نعيم الاموال والممتلكات التى نهبوها من مدن السودان الاخرى، خاصة الخرطوم، العربات الفاخرة تجوب شوارعهم والولائم الباذخة تعم احياءهم وقراهم” وتضيف الاستاذة زليخة “العرب مرتاحين. انا كنت ساكنة في فريق العرب المهرية في حي الجبل. عندهم كل شئ، الاكل مخزون بكميات، وبعدين اولادهم ايضا يجيبوا اي حاجة تهريب من تشاد. ببساطة هم ما عندهم مشكلة طعام ولا فلوس ابدا. لكن صراحة هم كمان فقدوا ناس كتير اثناء الحرب. ايام الاشتباكات كانوا يوميا يدفنون العشرات من موتاهم في المقابر بالقرب من المدرسة الصناعية. كانت لديهم فرق خاصة لجمع الاموات والجرحى اثناء المعارك فلذلك لا يمكن للأخرين معرفة خسارتهم. لكن كانت حرب بشعة قذرة وقحة خسر فيها كل الناس!؟ وتؤكد المهندسة بتول: “الجنجويد اثناء الهجوم، يأتون في مجموعات منظمة: الصف الاول المقاتلين والصف الثاني عربات كبيرة لجمع الموتى والصف الثالث من الصبيان الذين يقومون بنهب البيوت وحرقها. كانت مدينة الجنينة من اكثر مدن السودان حركة ونموا في السنوات الاخيرة. فبعد الحروب التى اجتاحت الاقليم في بداية القرن، نزح كثير من سكان الريف الذين تم حرق قراهم الى داخل المدينة مما ادي الى مضاعفة سكانها. “ورب ضارة نافعة”، راجت تجارة الحدود فيها وخاصة تجارة العربات “بوكو حرام”. عم الغني والرفاهية انحاء المدينة. وعلى حسب تقديرات بعض المسؤولين فان اعداد السكان كان يتراوح ما بين ٧٥٠ الف الى مليون نسمة قبل اندلاع الحرب الاخيرة، وان ثروة المدينة كانت تقدر بملايين الدولارات. فجاءة ونتيجة لحماقات الحمقي واجرام المجرمين صار هذا الارث خرابا وهرب معظم سكان المدينة منها تاركين خلفهم انفس ما كان لديهم من ممتلكات بعد ان فقدوا اقرباءهم واعزاءهم وذاقوا ويلات حرب عبثية اجرامية لا تسوى نتيجتها قيمة طلقة واحد من الطلقات التى اطلقوها فيها. صارت المدينة اليوم حزينة، مجردة من اقيم ما كانت تمتلكه ” الانسان” وصار سكانها الجدد احزن من الذين تركوها، وقد غطتهم الحيرة والارتباك. قتلوا وطردوا اصدقاءهم وزملاءهم وجيرانهم وابناء مدينتهم وعندما افاقوا وجدوا انفسهم وحدهم!!! تجمعت في ايديهم السلطة المسلوبة والمال المنهوب ولا يدرون ما يفعلون بهما! طفقوا يضربون ابصارهم يمنة ويسرة لإعادة الذين ارعبوهم بالقتل واخرجوهم من ديارهم بغير حق من دون جدوى. الجنينة اليوم مثالا صادقا للحياة والديمقراطية التى ينادي بها الجنجويد، ديمقراطية القتل، ديمقراطية الارهاب، ديمقراطية التدمير والخراب، ديمقراطية افراغ المدن من سكانها، ديمقراطية الاستيلاء على السلطة بالحديد والنار. تخبرنا الجنينة اليوم بان التكالب على السلطة بالقوة وابعاد الاخر لا يفضي الا الى الفوضي والتعاسة والبؤس!!! واخيرا يختم عثمان، القادم للتو من الجنينة الى ادري حديثه: “اذا لم يرجع سكان الجنينة اللاجئين في تشاد الى بيوتهم في الشهور القادمة، فان الجنجويد انفسهم سوف يخرجون من المدينة ويلحقون بهم،!” د. عبدالاله دودة نيوهيفن- الولايات المتحدة
