سبعون عاماً على الاستقلال أوراق تتساقط ووطن يتساءل إلى أين؟ بين نزيف الذكريات وفرقعات الحاضر!

ناصر فراج – كاتب 

ها هو عامٌ يغادر على أطراف الذكرى، وآخرُ يقفز إلى دائرة الضوء، وما بينهما أوراقٌ من عمرنا تتساقط، وأخرى تورقُ كأنها صرخات أمل في صمت الليل. الساعة تشير إلى الثانية عشرة ودقيقة، وأنا في حصن غرفتي أسمع فرقعات تنبعث من هنا وهناك، فكأن وطني تحوّل إلى ساحة حرب لا تهدأ. وفوق هذا كله، يمر اليوم ذاته سبعين عاماً كاملة على استقلال السودان الحبيب.

هنا، عند هذه المفارقة التاريخية، لا يسعني إلا أن أتوقف. تسكنني أسئلةٌ ثقيلة كالجبال، أولها أمي العزيزة – أطال الله في عمرها – التي تقبع في مرتع صباها، ولكنها تردد كل يوم بسؤال يقطع القلب: “إلى متى سنظل نازحين في أرض الغير؟!”.

والسؤال الثاني، الأكثر إيلاماً ماذا فعلنا طوال هذه السنوات السبعين؟ سبعون عاماً منذ أن انتزع الوطن حريته من براثن الاستعمار البريطاني. أيُّ إرثٍ بنينا؟ وأيَّ طريقٍ سلكنا حتى وصلنا إلى هذه اللحظة، حيث تدور رحى “حرب الكرامة” وتُطرح أسئلة الوجود والمستقبل؟

وقفتُ أولاً مع نفسي، قبل أن أشرك أحداً. أنا وأسرتي نحسب أنفسنا محظوظين لأننا نزحنا إلى “جذورنا”، مع علمي التام بأننا متواصلون معها في كل فرح وترح، وأولهم أمي. فكيف تظن هي نفسها “نازحة” بعد أن اندلعت نيران أبريل ٢٠٢٣؟ إن كان هذا هو إحساس ابن المنطقة، المولود فيها والمتصل بها بوشائج الدم، فكيف حال الآخرين الذين قذفت بهم الأقدار إلى مناطق لا تربطهم بها ذاكرة؟ وكيف هو حال من نزح خارج الوطن، حيث تغيب الجغرافيا وتذبل الروح؟ أولئك الذين وجدوا أنفسهم في أقاصي الجنوب والغرب والأفريقي واسيا، حاملين معهم جراح السودان وغربته المزدوجة!

أما السبعون عاماً، فهي تستدعي وقفة حقيقية، لا مجرد احتفال شكلي. ماذا قدّم أبناء هذا السواد الأعظم لوطن نال استقلاله عنوةً عبر دماء أجدادنا قبل سبعة عقود؟ شتّان ما بين فجر الأول من يناير ١٩٥٦، وبين فجر الأول من يناير ٢٠٢٦! بين التاريخين، سبعون عاماً بالتمام والكمال، فماذا قدّمنا؟ أليست حرب الكرامة الدائرة الآن هي المرآة الأقسى التي تعكس إجابة هذا السؤال؟

واللافت أن السؤالين – سؤال النزوح وسؤال الإنجاز يرتبطان بخيط واحد الزمن. يبدو وكأن الزمن قد توقف في مناطق، وتسارع في أخرى. قد أكون مخطئاً، لكنني أنظر من زاوية أن الإنسان، في أي مكان، يحلم بأن يقضي ما تبقى من عمره حيث ذكريات الصبا ودفء المسقط. بينما إنسان الخرطوم  إنسان المدينة وجد نفسه فجأة في مواجهة واقع لم يكن في حساباته: واقع النزوح الذي كان يظنه حكراً على مخيلة من “ركنوا” طوال السبعين سنة الماضية في الريف.

هذا كله يدعونا، بل يفرض علينا، أن نفكر جادين في سودان ما بعد حرب الكرامة. سواء في الريف أو الحضر، وحتى في قلب الغربة. السؤال المصيري الذي يجب أن يعلو فوق كل الفرقعات هو أي سودان نريد؟

سودان تُحفظ فيه كرامة الإنسان في مسقط رأسه، ولا يُجبر على النزوح إلا باختياره. سودان لا يكون فيه الاستقلال مجرد تاريخ في الكتب، بل واقعاً ملموساً في حياة الناس: أماناً، وكرامة، وتقدماً. سودان تورق فيه كل الأوراق، ولا تتساقط إلا أوراق الماضي الأليم. السؤال معلق في الهواء، والزمن يمضي فهل نستجيب؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *